Sep 28, 2022
لماذا ينبغي إعادة اكتشاف التنوع في العالم العربي؟ - سعد سلوم
سعد سلوم
مؤسس منظمة مسارات / أستاذ جامعي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
سعد سلوم

لماذا ينبغي إعادة اكتشاف التنوع في العالم العربي؟ - سعد سلوم

‪ ‬

 

تُظهر الإحداث والتحولات السياسية التي يمر بها العالم العربي خريطة التنوع المجتمعي في صورة جديدة، فالغزو الأميركي للعراق 2003 وثورات الربيع العربي 2011 وغزو داعش لسوريا والعراق 2014 تركت أثارها في تطور مطالب جديدة للعديد من الجماعات الدينية والإثنية واللغوية في سياقات إجتماعية متنوعة‪. ‬

‪ ‬

 

‪ ‬على سبيل المثال تبرز مطالب الأرمن بالإعتراف بالإبادة الجماعية بعد مرور قرن على إرتكابها 1915-2015 في البلدان التي يقيمون فيها وحصلوا على مواطنيتها، وتصاعدت مساهمة البهائيين وحضورهم في المجال العام في تونس ومصر واليمن والعراق في ضوء ثورات الربيع العربي. ونشهد إنبعاث هوية سكان المنطقة من أصول أفريقية مثل النوبيون في مصر والتُبو والطوارق في ليبيا وساكنو الواحات من الحراطين في موريتانيا والأتراك من أصول إفريقية والتوانسة من ذوي البشرة السوداء وكذلك الأفروعراقيين، وهم جميعا مواطنون يتعرضون للتمييز العنصري ويحتلون أدنى سلم التراتبية الإجتماعية في  بلدان المنطقة‪.‬

‪ ‬

 

عودة الرزادشتية بعد غياب ألف وخمسمائة عام

 

في مقابل هجرة الأقليات من مصر وسوريا ولبنان والعراق عادت أشكال وهويات قديمة كانت غائبة، مثل عودة الزرادشتية بعد غيابها اكثر من الف وخمسمائة عام.  في معبد صغير في السليمانية شمال العراق، تحدثت  مع اول زعيم ديني للزرداشتية في العراق حول حدود الاعتراف بالديانة الزرادشتية، وعدد اتباعها واماكن انتشارهم، والجدل حول طبيعة عودة هذه الديانة القديمة بعد اختفاءها طوال هذه القرون. هذه ظاهرة نجمت جزئيا كرد فعل ضد ظهور "داعش" وتهديده التنوّع الدينيّ على نحو سهّل لإتباع الديانة الزرادشتيّة الإعلان عن هويتهم بعد أن اختفت ديانتهم عن الوجود مدّة 15 قرناً منذ دخول الإسلام الى العراق،  لا سيما بعد الإعتراف رسميا بالديانة الزرادشتيّة كأحد المعتقدات الدينيّة في إقليم كردستان العراق في قانون رقم 5 حول حماية المكوّنات في إقليم كردستان 2015. وقد شهدت بنفسي تحول أمراة كردية مسلمة الى الرزادشتية في المعبد، وحين سألتها عن اسباب تحولها عن الإسلام ردت بعبارة ذات دلالة "أنا لم أتحول عن الإسلام بل رجعت الى ديني الأصلي‪". ‬

‪ ‬

 

‪"‬حياة السود مهمة" ايضا في العالم العربي‪ ‬

 

بالمثل، لا يعد فوز "باراك أوباما" بالانتخابات الرئاسية الأميركية حدثاً استثنائياً في حياة الأميركيين من أصول أفريقية فقط، وأيضاً لدى المواطنين من أصول أفريقية في المنطقة العربية، وذلك قبل سنوات من مقتل جورج فلويد وبروز إلهام حركة (حياة السود مهمّة)‪ (BLM) ‬لمناهضة العنصرية ضد الأفارقة في الولايات المتحدة.  فقد بدى واضحاً أن عصر التمييز ضد سود البشرة مازال مستمراً في الولايات المتحدة وبطبيعة الحال في بلدان المنطقة العربية‪.‬

‪ ‬

 

‪ ‬في العراق كان وجود أيقونة مشابهة لجورج فلويد هي الناشط المدني جلال ذياب الذي اغتيل في البصرة عام 2013، والذي أطلقت عليه لقب (مارتن لوثر كنغ العراق) محفزا على تصاعد الوعي بأهمية مناهضة التمييز العنصري.  كان (جلال) قد أسس مع زملائه، حين التقيته عام 2009، حركة العراقيين الأحرار وجمعية  أنصار الحرية الإنسانية، بعد فوز الرئيس باراك أوباما بالرئاسة لمواجهة سياسات التمييز ضد الأفروعراقيين. وأذكر أنني حين زرته لأول مرة في مقر جمعيته تحدثنا عن خطاب "عندي حلم" لمارتن لوثر كينغ الذي ألقاه عند نصب لنكولن التذكاري في 28 أب 1963 أثناء مسيرة واشنطن للحرية، وتسألت اذا كان (جلال) يحمل حلما مماثلا: رؤية مستقبل ينتهي فيه التمييز ضد السود. وللجواب على هذا السؤال أشار جلال الى ثلاث صور معلقة على الحائط: في الوسط كانت صورة (مارتن لوثر كينغ) تحيطها صورتان لباراك أوباما الذي كان قد فاز للتو بسباق الرئاسة الأميركية، وسرعان ما أخترق عقلي وقلبي السعي النبيل لهذا الرجل الذي كان يبلغ من العمر ثلاث سنوات حين تم اغتيال كينغ في 4 نيسان 1968، ولم يتصور إن تأثير خطاب (كينغ) سوف يعبر الالاف الأميال ليصنع حلمه الخاص بعد أكثر من أربعة عقود. وعلى الرغم من إنه لم يكن يمتلك بلاغة (كينغ)، فقد كان يؤمن بإن حلم المساواة في خطاب "عندي حلم" قد تحقق أخيرا في اليوم الذي فاز فيه أوباما بالانتخابات الرئاسية في 20 كانون الثاني عام 2009، وإن هذا الحلم قد يتحقق يوما ما في العراق، وربما في بلدان المنطقة بأسرها‪.‬

 

 

‪ ‬البهائيون بعد أكثر من مائتي عام على ولادة مؤسس الدين البهائي

 

على صعيد ذي صلة فإن حالة البهائيين في الشرق الأوسط ذات دلالة عميقة على حدود الحريات الدينية في العالم العربي، إذ على الرغم من مرورِ أكثر من مئتيْ عامٍ على ولادةِ  بهاء الله (1817-1892) مؤسّسِ الدين البهائيّ، فإنه لا يوجدُ بلدٌ عربيٌّ يعترفُ بالدينِ البهائيّ. وكما اخبرني احد البهائيين اللبنانين ساخرا ذات مرة "البهائيون ليس لهم سوى حق الموت، اذ يمنحون خيار دفن موتاهم في مقابر بهائية". وفي حين لا يتاح لهم أن يعيشوا قناعاتهم كبهائيين أثناء حياتهم استبعد البهائيون من المجال العام، واصبحت المنازل هي المجال الخاص لممارسة صلواتهم وشعائرهم‪. ‬

‪ ‬

 

تختصر محنة البهائيين معضلة إدارة التنوع على صعيد الدولة وتقبّل الاختلاف الديني على صعيد المجتمع، وعلى نحو يهدد بفقدان رأس مال مجتمعي من التنوع الديني، وهذا ما يرسمه الاضطهاد المنهجي الذي تعرضوا له خلال فترة تزيد على قرن من الزمن،  من السياسات القاسية الراهنة ضدهم في اليمن ومثيلتها في ايران الثورة الاسلامية منذ نهاية سبعينات القرن الماضي وحتى الوقت الراهن، وفي العراق البعثي في سبعينات القرن الماضي (مع صدور قرار بحظر البهائية في عام 1970)، وفي مصر الناصرية في تواريخ مختلفة منذ ستينات القرن الماضي. نتيجة لذلك، حرم البهائي من ممارسة قناعاته الدينية علناً او اشهار هويته الدينية والاعتراف بها رسميا‪. ‬

‪ ‬

 

في حين يتضح من خلال الإطلاع على مبادىء الدين البهائي إنها تناقش أفكارا ستظل مطلباً لجميع الدعوات الاصلاحية في العالم العربي، مثل: الفصل بين الدين والسياسة، التأييد الكامل للحرية الدينية، ضرورة التوافق بين الدين والعلم، والمساواة التامة بين الرجل والمرأة. وقد أتاحت ثورات الربيع العربي فرصة أمام البهائيين في أكثر من بلد عربي للإسهام في الحوار مع مجتمعهم الأوسع، وتعد (رسالة البهائيين المصريين الى الشعب المصري) وثيقة أساسية تعرض مثل هذه الرؤية بشأن مستقبل مصر ومثالاً لشعوب المنطقة، بعد ما يزيد على قرن من الوجود البهائي في مصر. كما إنها تشير الى أسهام البهائيين في الحوار من أجل مستقبل بلادهم من منطق خبرة المجتمعات البهائية المنتشرة في العالم‪.‬

‪ ‬

‪ ‬

 

جميع ما تقدم من مظاهر يبين أهمية تغيير الثقافة السائدة عن التنوع بوصفه مصدرا لتهديد الوحدة الوطنية، فـ(الوحدة في التنوع) ينبغي أن يكون أحد الشعارات الرئيسة لما بعد الربيع العربي، وعد التنوع مصدر غنى وليس مصدرا لتهديد مطلب مهم لإية سياسة رشيدة لإدارة التنوع في العالم العربي، والأهم برأيي بالنسبة للبلدان الريعية ان ينظر للتنوع المجتمعي بوصفه مصدر ثروة دائمة. ذلك أن النفط لم يجلب للعراق، على سبيل المثال، سوى الدكتاتورية والمزيد من الإنقسام والفساد.

‪ ‬

 

سعد سلوم