Jun 08, 2022
لا شيء أكثر كلفة من الفرص الضائعة - أولغا جبيلي

لا شيء أكثر كلفة من الفرص الضائعة - أولغا جبيلي


أوائل الشهر الماضي، في 9 أيار 2022، أعلنت شركة Energean عن اكتشاف غاز طبيعي تجاري في بئر الاستكشاف "أثينا" في بلوك 12، الذي يقع على بعد حوالي 20 كيلومترًا جنوب كاريش، وقد يحتوي على 8 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي القابل للاستخراج، مشيرة إلى أن الهدف الأولي كان يقدر بنحو 21 مليار متر مكعب.



وفي 5 حزيران 2022، وبعد وصول وحدة التخزين والتفريغ العائمة  (FPSO)للإنتاج لكاريش التي تديرها شركة Energean المسجّلة في لندن، حذّر لبنان "إسرائيل" من أي "عمل عدواني واستفزازي" في المياه المتنازع عليها. وكان ماثيوس ريجاس، الرئيس التنفيذي لEnergean، قد صرّح أن "هذا يمثل خطوة كبيرة إلى الأمام في الاستخراج الأول من  كاريش والذي لا يزال على مساره الصحيح للربع الثالث من عام 2022. ونتطلع إلى مواصلة تقدمنا ​​، وإضفاء الطابع التجاري على منطقة أوليمبوس المحددة حديثًا والمساهمة في أمن الطاقة والتنافس على الإمداد للمنطقة".



تُقدّر مساحة المنطقة المتنازع عليها بـ860 كيلومترًا مربعًا، وفق خريطة مسجلة لدى الأمم المتحدة عام 2011. وفي أيار 2020، طالب لبنان بمساحة إضافية قدرها 1430 كيلومترًا مربعًا، مما رفع حجم المنطقة المتنازع عليها إلى 2290 كيلومترًا مربعًا، وبالتالي أوقف المفاوضات التي بدأت في تشرين الأول 2019.



في ظل هذا التصعيد، طالب لبنان بوساطة أمريكية ودعا المبعوث عاموس هوكشتاين إلى بيروت للنظر في استئناف المفاوضات لترسيم الحدود البحرية الجنوبية للبنان.



وسط هذه التطورات، وغياب الإرادة السياسية والخلافات الداخلية، راكم لبنان الفرص الضائعة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. أما تكلفة التأخير في انتهاز الفرصة فتؤثر على لبنان اقتصاديًا واستراتيجيًا من نواحٍ عدة: فهي تعرقل جذب الاستثمارات النفطية في البحار اللبنانية مما يجعلها أقل قدرة على المنافسة وتزيد من تأخير عملية اللحاق بالدول المنتجة للنفط والغاز في المنطقة، كما تمنع لبنان من المشاركة في مسارات تصدير النفط والغاز الى المنطقة وربما أوروبا، وتضعف الشراكات الاستراتيجية مع الدول المجاورة الصديقة، وتمنعه من الاستفادة من موارده البترولية المحتملة ضمن الإطار الزمني الذي لا يزال من المتوقع أن يلعب فيه الغاز الطبيعي دورًا بارزًا في خطاب انتقال الطاقة Energy transition discsourse.



أولاً، وفي عام 2013، عندما بلغ متوسط ​​أسعار النفط 100 دولارًا أمريكيًا للبرميل، أطلق لبنان دورة التراخيص الأولى وحصلت 46 شركة نفط دولية على تأهيل مسبق، بما في ذلك 12 من أصحاب حقوق التشغيل و34 من غير المشغلين. لكن وفي وسط فراغ سياسي، لا يزال هناك مرسومان معلقان على مجلس الوزراء الموافقة عليهما للانتهاء من دورة التراخيص الأولى. وبعد أربع سنوات، في عام 2017، تم استئناف دورة التراخيص الأولى للبنان، لكن أسعار النفط خسرت 50٪ من قيمتها مقارنة بعام 2013 بمتوسط ​​54.25 دولارًا أمريكيًا للبرميل. الجدوى الاقتصادية لمشاريع الاستكشاف في منطقة المياه العميقة الحدودية مثل لبنان أقل قدرة على المنافسة مقارنة بالمشاريع الإقليمية الأخرى حيث تم فيها استكشاف تجاري. وبالرغم من ذلك،  رخص لبنان رقعتين لكونسورتيوم دولي واحد، لكن أنشطة الاستكشاف في الرقعة رقم 4 لم تصادف خزانًا في القسم المستهدف الرئيسي من بئر الاستكشاف.



في عام 2019، كان لبنان يخطط لدورة تراخيص ثانية، ولكن آثار الوباء على القدرات المالية واللوجستية لشركات النفط الدولية، وانخفاض أسعار النفط، قام بدفع الشركات إلى خفض استثماراتها والتوقف عن أنشطة الاستكشاف، وتم تأجيل الموعد النهائي لتقديم الطلبات لدورة التراخيص الثانية في لبنان عدة مرات، ومن المقرر أن يكون موعد التقديم النهائي في 15 حزيران 2022.



نشهد اليوم هجرة أدمغة غير مسبوقة من المؤسسات اللبنانية والتي كانت قد استفادت على مر السنوات من بناء القدرات التقنية الدولية والدورات التدريبية التي لا تقدر بثمن وعلى أساس أفضل الممارسات في الصناعة. ساهم استثمار رأس المال البشري في تحقيق عدّة مساع بارزة في قطاع النفط والغاز البحري في لبنان قبل الانهيار الكبير للاقتصاد اللبناني والهياكل المرتبطة به. ويعاني لبنان من انقطاع التيار الكهربائي بشكل يومي منذ عام 2020 وتضخم غير مسبوق وأزمة متعددة الأبعاد.



هذا وتشهد منطقة شرق المتوسط اهتمامًا متزايدًا حيث تدفع الحرب في أوكرانيا الاتحاد الأوروبي إلى تقليل اعتماده على الغاز الروسي بأسرع ما يمكن من خلال إيجاد إمدادات بديلة من الغاز على المدى القصير، وتعزيز كفاءة الطاقة مع الاستثمار بشكل كبير في مصادر الطاقة الأكثر اخضرارًا على المدى المتوسط ​​إلى الطويل كما أوضحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.



تُعد شرق البحر المتوسط منطقة مثبتة جيولوجيًا من حيث وجود كميات مهمة من الهيدروكربونات منذ عام 2009، مما أتاح للبلدان التي كانت تقليديًا مستوردًا صافيًا للطاقة لإنتاج الكهرباء القدرة على تعزيز إمدادات الطاقة المحلية من خلال تطوير وإنتاج حقولها الخاصة. على سبيل المثال، فإن اكتشاف حقل تامار (9.7 تريليون قدم مكعب) في عام 2009 يخدم السوق المحلية، بينما يستخدم حقل لفياثان (16 تريليون قدم مكعب) المكتشف في عام 2010 للتصدير. وأدى اكتشاف حقل ظهر (30 تريليون قدم مكعب) في عام 2015 إلى مضاعفة احتياطيات مصر من الغاز، وسمح لها باستعادة الاكتفاء الذاتي من الغاز من خلال تنفيذ تطوير سريع المسار، وهو ما يمثل مرحلة جديدة من أنشطة الاستكشاف في المنطقة التي أدت إلى اكتشافات إضافية. وقد سمح فائض الغاز الطبيعي للاعبين الإقليميين بالاستفادة من خيارات التصدير التي تتراوح من خطوط الأنابيب إلى مصانع الغاز الطبيعي المسال في قبرص ومصر و"إسرائيل".



وفي هذا المجال، تصدر "إسرائيل" 3 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى الأردن و 5 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى مصر من عسقلان إلى العريش في سيناء. وقد بدأت "إسرائيل" مؤخرا، في كانون الثاني 2020، في تصدير غازها إلى مصر عبر الأردن، مما زاد صادرات الغاز إلى مصر بأكثر من 50٪.



علاوة على ذلك، عززت ثروة الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط ​​أيضًا التعاون الإقليمي في تطوير اكتشافات النفط والغاز البحرية مما أدى إلى إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط - وهي منصة تهدف إلى تطوير سوق غاز إقليمي متكامل يستفيد من الغاز الطبيعي المسال حاليًا في منشآت في مصر في إدكو ودمياط.



بالتوازي مع ذلك، جرت عدة دورات تراخيص في قبرص، ومؤخرًا، في أيار 2022، أعلنت "إسرائيل" عن الاستعداد لإطلاق جولة المناقصات البحرية الرابعة للتنقيب عن الغاز الطبيعي بهدف مساعدة أوروبا على "تنويع مصادر طاقتها".



لا ينفصل شرق المتوسط ​​بشكل عام، ولبنان على وجه الخصوص، عن اتجاهات الطاقة العالمية. وقد أدى الانتعاش الاقتصادي بعد الوباء والحرب في أوكرانيا إلى زيادة أسعار الطاقة وتفاقم مخاوف الإمداد. بالإضافة إلى ذلك، تتسارع وتيرة التحوّل إلى نظام طاقة منخفض الكربون، بينما تلتزم الشركات والبلدان على حد سواء بانبعاثات الكربون الصافية الصفرية بحلول عام 2050. وعلى الرغم من أن حصة الغاز الطبيعي في مزيج الطاقة قد زادت ولا يزال من المتوقع أن تلعب دورًا رئيسيًا حول العالم نظرًا لأنها مصدر أنظف نسبيًا للطاقة، تشير جميع السيناريوهات إلى أن مصادر الطاقة المتجددة من المتوقع أن تمثل 80-90٪ من توليد الطاقة على مستوى العالم بحلول عام 2050 وفقًا لماكينزي. ومن المهم أن نلاحظ أن Mckinsey Global Energy Perspectives 2022 تجادل بأنه من المتوقع أن ينمو الطلب على الغاز بنسبة 10٪ خلال العقد القادم في جميع السيناريوهات، ومع ذلك، فمن المتوقع أن ينمو الطلب على الهيدروجين خمسة أضعاف بحلول عام 2050 مدفوعًا بشكل أساسي بالنقل البري والبحري والجوي.



يبقى لبنان خارج المعادلة في ظل المتغيرات العالمية. ولتجنب هذا الجمود، كان ينبغي عليه السعي بنشاط أكبر في تطوير قطاع النفط والغاز البحري وعدم فقدان الزخم، مع البناء على الإنجازات السابقة. فلطالما كان الهدف الأكثر إلحاحًا للبنان هو جذب استثمارات النفط والغاز وتكثيف أنشطة الاستكشاف لتحقيق اكتشاف تجاري. لكن قضايا الحدود التي لم يتم حلها وغياب الإرادة السياسية الجماعية لمتابعة المصالح الاستراتيجية للدولة تسببت في تخلّف لبنان عن الدول المجاورة ومنع الشعب اللبناني من الاستفادة من الموارد المحلية المحتملة للتخفيف من أزمة الطاقة على المدى الطويل واستخدام فرصة سانحة على مدى العقود القادمة حيث سيظل هناك طلب على الغاز الطبيعي. ولا شيء أغلى من فرصة ضائعة.


أولغا جبيلي

مسؤولة أبحاث وبرامج في شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية