Jan 04, 2022
كيف دفعت النساء فاتورة الجائحة ؟

كيف دفعت النساء فاتورة الجائحة ؟ - مي صالح



لقد جرت العادة  في أوقات النزاع السياسى والإحتلال وأوقات الأزمات الاقتصادية الكبرى وبالطبع أوقات انتشار الاوبئة  أن تتعرض الفئات الأكثر فقرا وتهميشا وكذلك النساء ومنهن اللاجئات والمهاجرات  لصورًا مضاعفة من العنف والتمييز لاسيما في ظل غياب وهشاشة أنظمة الحماية الاجتماعية وهو ما كشفت عنه جائحة كورونا خلال العامين السابقين بالاضافة إلى إنهيار الأنظمة الصحية وعدم قدرتها على الصمود في كثير من الدول، ومع الوضع في الاعتبار عالمية هذه الأزمة فيمكننا تخيل أعداد النساء اللاتي أصبحن مثل كبش الفداء الذي يتم التضحية به والقاؤه في المحيط لحين انتهاء العاصفة!!


 

ارتفاع معدلات العنف المنزلى 


لعبت جائحة كورونا دورًا هامًا في الكشف عن أوجه عدم المساواة بين الجنسين وهو ما بدى جليا في تداعيات وتأثيرات الإغلاق الكلي والحجر المنزلي على ارتفاع معدلات العنف الاسري تجاه النساء وإعادة تكريس الصوّر النمطية لأدوارهن داخل الاسرة  وهو ما وصفته هيئة الامم المتحدة للمرأة بـ "الجائحة الظل". بالرغم من صعوبة رصد حالات العنف المنزلي في بداية الحجر إلا أن مؤشرات الخطوط الساخنة لتلقي الشكاوى وتحليل استطلاعات الرأى الرقمية التي أجريت في هذا التوقيت قد ساهمت كثيرًا في قياس ارتفاع وتيرة العنف بالإضافة إلى المقابلات التي أجريت بعد تخفيف الحجر.



"زوجى عادة لا يجلس في المنزل وبعد اغلاق المقاهي وحظر التجول أصبح عنيفًا جدًا ويختلق المشاكل معي ومع الاطفال وتحملت الكثير من الاساءة وكأنى المسئولة عن انتشار الفيروس!! 



فعلى سبيل المثال في لبنان ارتفعت معدلات التبليغ عن حالات العنف المنزلى ضد النساء في مارس 2020 بواقع 100% مقارنة بنفس الفترة في العام السابق  ، وباستطلاع رأي مجموعة من المصريات في ابريل 2020 أكدن أن 11% منهن تعرضن للعنف على يد الزوج وأن المشكلات الاسرية زادت بنسبة 33%  ، وفي تونس سجلت عدد الإشعارات الخاصة بحالات عنف ضدّ المرأة، حوالى خمسة أضعاف خلال الأسبوع الأول من الحجر الصحي لتصل إلى سبعة أضعاف في الأسبوع الثالث   وصعوبة المشهد  هنا تكمن في كون النساء حبيسات في منزل واحد مع شريك يسئ معاملتهن ويشعرهن بالدونية ولا يملكن سوى البقاء في دائرة مغلقة فقط لأن حماية النساء من العنف أثناء الأزمات تظل في ذيل قائمة الاولويات .



ازدياد مهمات الدور الرعائى


لم تكن معدلات العنف المنزلي ضد النساء هي وحدها التي ارتفعت خلال الحجر الصحي ولكن صاحبها بشكل غير مسبوق زيادة الأعباء الرعائية غير مدفوعة الأجر التي ألقيت على كاهل النساء اضافة إلى الأعباء اليومية المعروفة وأصبح عليهن -بدون أي دعم- سد الفجوات الناتجة عن إغلاق المدارس ودور الحضانة والأنظمة الصحية المرتبكة بسبب الوباء؛ فوجدن نفسهن مسؤولات عن القيام بمتابعة تعليم أطفالهن من المنزل مع تحول أنظمة التعليم الى التعليم الرقمي عن بعد، والعناية بالأقارب المرضى، والتعامل مع مشكلات التسوق وشراء متطلبات المنزل بما فيها مستلزمات التعقيم والوقاية، كل ذلك بينما كان البعض منهن مندرجات في العمل مدفوع الأجر من المنزل تماشيًا مع الوضع الجديد.



"أطفالي لم يستوعبوا فكرة العمل عن بعد وفي بداية الحجر وحظر التجول كنت أجد صعوبة شديدة  للفصل بين  العمل المنزلي والعمل من منزلي"


 

 ففي ظل حزمة الاجراءات الاحترازية التي طبقتها كل دولة بحسب طبيعة الاوضاع فيها، قامت بعض الحكومات بتطبيق أنظمة العمل المرن مثل العمل من المنزل وأيام العمل التبادلية بالإضافة إلى بعض الاسثناءات للامهات العاملات حتى يتمكن من العناية بالاطفال، ففي مصر على سبيل المثال  أقر مجلس الوزراء في مارس 2020 بإمكانية حصول العاملات الأمهات لأطفال أقل من 12 عاما على أجازة استثنائية مدفوعة الأجر لرعاية أبنائهن، ورغم أن هذا القرار كان في ظاهره يهدف إلى دعم الأسر خلال فترة الإغلاق غير أنه في الواقع قد ساهم أكثر في ترسيخ الأدوار النمطية والتقليدية للنساء وأعاد إلى الأضواء مرة أخرى نموذج الذكر المعيل والأنثى مقدمة الرعاية.



فقدان فرص العمل مدفوع الاجر


 وقد امتدت اشكاليات هذه الحزم الاجرائية أيضا لكونها بابا جديدا للتمييز بين النساء والرجال حيث عجزت الحكومات عن تطبيق القرارات الاستثنائية على النساء العاملات في القطاع الصحى بسبب سوء الأوضاع ونقص أعداد الأطقم الطبية مما جعلهن أيضا في الصفوف الأمامية في مواجهة المرض وتسبب في اصابة ووفاة المئات منهن، أما الأمر الآخر فهو رفض المنشآت الصناعية بالقطاع الخاص الالتزام بهذه القرارات سواء فيما يتعلق بتطبيق أنماط العمل المرن أو بالأجازات الاستثنائية للأمهات العاملات وذلك بالإضافة إلى أن ضعف المهارات الرقمية لدى بعض النساء وعدم توفر وسائل الاتصال الملائمة والانترنت شكلت عائقا أمامهن للعمل من المنزل مما اضطرهن لترك العمل وفقدان دخولهن .  



"صاحب المصنع لا ينشغل سوى بالإنتاج والأرباح وحين اصبت بالمرض سمح لى بأجازة من راتبي لمدة أسبوع  واحد واضطررت للعودة بعدها للعمل وكان الجميع يتجنبنى خوفا من العدوى ولم يكن لدى بديل حتى أحافظ على عملي" 



وفي دراسة لمنظمة العمل العربية أشارت إلى أن ثاني أعلى انخفاض في عدد النساء العاملات خلال الجائحة كان في الدول العربية، حيث انخفضت عمالة النساء بنسبة 4.1% مقابل 1.8% فقط للرجال بين عامي 2019 و2020، وذلك بعد الأمريكتين اللتين شهدتا أكبر انخفاض في عمالة المرأة نتيجة الوباء، وفي القطاع غير المنظم فقدت 76% من النساء دخلهن مقارنة بنسبة 65% للرجال كما أن 95 % من صاحبات المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر قد تأثر عملهن بسبب الجائحة.  



وقد تضررت النساء العاملات في وظائف قطاعي الرعاية والخدمات بشدة من جراء هذه الجائحة على نحو غير متناسب بسبب زيادة تمثيلهن في هذه القطاعات مثل العاملات في الخدمات الغذائية والتصنيع – جليسات الاطفال والمسنين – العاملات في قطاع التعليم ورياض الاطفال – عاملات المنازل – العاملات في صالونات التجميل – العاملات بالقطاع السياحى والضيافة الجوية، وأشارت المؤشرات العالمية إلى أن تحسن أوضاع النساء في سوق العمل لن يعود سريعا بنفس النسبة كما في السابق مما يعني أنه سيتم توظيف 43 في المائة فقط من النساء في سن العمل في العالم في عام 2021، مقارنة بنسبة 69 في المائة من نظرائهن من الرجال. 



تراجع خدمات الرعاية الصحية للنساء



في هذا السياق حتما لا يمكننا تجاهل ذلك التراجع الذي حدث في خدمات الصحة بشكل عام وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية بشكل خاص، فمع ارتفاع معدلات الاصابة تم تحويل كافة المستشفيات العامة تقريبا إلى مستشفيات طوارئ وعزل، وتم تحويل أغلب التخصصات الطبية إلى التعامل مع حالات الإصابة بكوفيد ١٩ ومنها تخصصات النساء والولادة وتنظيم الأسرة مما أدى إلى انخفاض شديد في الكوادر الطبية القائمة بالعمل في التخصص.



وكان الاعتماد الاكبر على وحدات الرعاية الأولية والتي تفتقد في أغلبها إلى الإمكانات الأساسية لتقديم الخدمة وكذلك تفتقد الاطقم الطبية المدربة على تقديم الخدمة، مما اضطر العديد من السيدات للجوء إلى وسائل منع الحمل الهرمونية "حقن -أقراص" كبديل عن الوسائل الاخرى التي تحتاج إلى طبيب \ة مدرب\ة  وآلات خاصة، غير أن هذا أيضا لم يمنع حدوث العديد من حالات الحمل غير المخطط نظرا لصعوبة الوصول إلى خدمات تنظيم الأسرة. 



إضافة إلى ذلك، كان الحذر والخوف من التواجد في تجمعات خاصة في أماكن الرعاية الصحية خلال فترة الجائحه مانعا للعديد من النساء لطلب الخدمة الطبية في كثير من المشكلات، ويمكننا هنا تصور الآثار البعيدة المتوقع حدوثها نتيجة تجاهل العديد من الشكاوى الصحية والحالات الطبية التي لم يتوفر لها مراجعة طبيب في الوقت المناسب، وفي ظل هذه المنظومة المركبة أيضا عانت النساء من تخبط المعلومات فيما يتعلق بمدى خطورة تلقى اللقاح على الحوامل والمرضعات من عدمه.




حتى  نخلق الفرصة من رحم الأزمة


مما لاشك فيه أن أزمة كورونا بكل ما حملته فى طياتها من إشكاليات لم تكن الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة ، ولكى نستطيع تجاوز ما حدث وتلافى تكرار المرور بنفس الماسى يتوجب علي الحكومات أن تبدأ- الان وليس غدا  -فى العودة للعمل على تفعيل أهداف ومقاصد أجندة التنمية المستدامة والبدء باجراءات التعافى الوظيفى للنساء وتمهيد الطريق نحو الإعتراف بأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر والحد منها وإعادة توزيعها داخل الأسرة ووضع سياسات الحماية الاجتماعية والحماية من العنف ،بالاضافة إلى توفيرالتمويل اللازم لضخ موازنات فى قطاعات التعليم والبحث العلمى والصحة وعلى وجه الخصوص خدمات الصحة الجنسية والانجابية ،كما ينبغى أن تولى الأنظمة العربية أهمية خاصة لتحسين أوضاع النساء فى سوق العمل والإهتمام بالتعليم الفنى والتعليم الرقمى للفتيات من أجل ضمان حقهن فى التمكين والمساواة.



مي صالح

استشاري النوع الاجتماعي والدعم المؤسسي –مؤسسة  المرأة الجديدة