Oct 31, 2022
قضية مريم تعيد من جديد النقاش حول الإجهاض إلى الواجهة بالمغرب – عصام صبيحي
عصام الصبيحي
باحث

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
عصام الصبيحي

قضية مريم تعيد من جديد النقاش حول الإجهاض إلى الواجهة بالمغرب – عصام صبيحي


اهتز المجتمع المغربي خلال الشهر الماضي، يوم 6 سبتمبر/ أيلول على واقعة مؤلمة، لا يمكن وصفها إلا أنها جريمة في حق طفلة، واقعة موت الطفلة مريم ذات 14 ربيعًا إثر عملية إجهاض سرية غير آمنة بقرية بومية إقليم ميدلت، بعد تعرضها للاغتصاب الذي نتج عنه حمل غير مرغوب فيه، هذه القضية التي عرفت تفاعلا على المستوى الرقمي، حيث اجتاح وسم #مريم مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، تنديداً بتلك الفاجعة، وإطلاق حملة توعية على خطورة إجراء عمليات إجهاض سرية قد تسبب الوفاة ، كما توشحت بروفيلات عدد كبير من المغاربة باللون الأخضر، حداداً على وفاتها.


ان هذه القضية تطرح موضوعين على بساط البحث، اما الأول فيتعلق بموضوع الاغتصاب والاعتداءات الجنسية بحد ذاتها، لاسيما على القاصرات وهي جريمة تحاسب عليها كل القوانين السماوية والوضعية وهي خطيرة خاصة إذا تمادى الإفلات من العقاب ولم يغرم المعتدي. اما الجانب الاخر للقضية فهو الإجهاض في حال الحمل غير المرغوب به. هذه المقالة ستتناول الجانب الثاني من القضية من دون ان يعني ذلك ان القضية الأولى ليست أولوية او ذات أهمية بالغة.


لقد أعادت هذه الفاجعة الجدل من جديد حول ظاهرة الإجهاض بالمغرب، حيث طالبت كل القوى الحقوقية بضرورة رفع تجريم الإجهاض الطبي وتنظيمه ضمن مدونة للصحة العمومية، حسب معايير منظمة الصحة العالمية، وجعله خدمة عمومية تستفيد منها النساء عندما يشكل الحمل خطرا على صحتهن سواء البدنية أو النفسية أو العقلية أو الاجتماعية، وكذا المطالبة بالتغيير الجذري والشامل للقانون الجنائي.


ومريم ليست سوى ضحية أخرى من النساء ضحايا قوانين ظالمة تعسفية، فحسبما كشفت الإحصائيات التي قدمتها الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري، في 2021، فإن عدد عمليات الإجهاض السري بالمغرب، تتراوح بين 50 ألف إلى 80 ألف حالة، بمعدل 200 عملية يوميا، مما يؤدي إلى وفيات بسبب هذه العمليات غير الشرعية وبالتالي غير الامنة بنسبة تصل إلى 4.2%، ونسبة 5.5% من الوفيات بسبب المضاعفات بعد الوضع، بالإضافة إلى الارتفاع في عدد الأطفال المتخلى عنهم، وهي إحصائيات مخيفة تظهر مدى غياب الحماية القانونية للنساء بالمغرب.


إن هؤلاء النساء  اللاتي  فرضت عليهن الظروف الاجتماعية والقانونية أن تلجأن إلى الإجهاض في ظروف تنعدم فيها الشروط الصحية الآمنة، لم تخترن مصيرهن المأساوي، بل هو نتيجة المنظومة القانونية والتشريعات الجاري العمل بها، دون إخضاعها للتعديل والمراجعة حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي، فالقانون الجنائي المستند إلى اجتهاد فقهي متشدد، لا يعالج ظاهرة الإجهاض بقدر ما يزيدها تعقيدا كونه يتجاهل كل الاجتهادات الفقهية لدى مختلف المذاهب التي تسمح بالإجهاض داخل مدة 120 يوما من الحمل، مما يلزم اليوم المشرّع المغربي، بتقديم الحلول المناسبة للحد من عدد ضحايا الإجهاض، باعتماد منظومة تشريعية عصرية منسجمة مع الدستور ومتشبعة بقيم حقوق الإنسان في بعدها العالمي.


وفي تفاعل سياسي مع القضية، قام فريق برلماني تابع لاحد الاحزاب السياسية بتقديم مقترح قانون يتعلق "بتنظيم الإيقاف الطبي للحمل" يروم تقنين الإجهاض وتحديد الحالات المسموح فيها به وشروط إجرائه، أمام مجلس النواب، الهدف منه إفراد نص قانون خاص بالإيقاف الطبي للحمل وإخراجه من مجموعة القانون الجنائي وإدراجه ضمن قوانين الأخلاق البيو-طبية للمواطنات والمواطنين، ويهدف للحد من وفيات الأمهات الناجمة عن الإجهاض السري وتمكين الأطباء من العمل في إطار قانوني شفاف للقيام بعمليات الإيقاف الطبي للحمل بشكل يحترم مقومات السلامة الصحية.


المغرب مطالب اليوم بسن وتعديل قوانين بما ينسجم مع التزاماته الدولية، من خلال العهود والاتفاقيات التي صادق عليها، وبما ينسجم أيضا بمضامين الدستور التي تنص على سمو القوانين الدولية، فيما يتعلق بمنظومة قوانين تحمي النساء وتضمن لهن الحق في الحياة.


عصام صبيحي