في نسخة دافوس 2026 أصبح تغير المناخ استثماراً جديداً في الكوارث - حبيب معلوف
في نسخة دافوس 2026 أصبح تغير المناخ استثماراً جديداً في الكوارث
طغى حضور الرئيس الأميركي على منتدى دافوس هذا العام. وكأنه قد فرض إيقاعه واجندته على الاجتماع، كما على العالم. وبطبيعة الحال، وعلى وقع انسحابه من اتفاقية باريس المناخية، كان موضوع تغّير المناخ الضحية الأولى لهذا الاجتماع. وظهر واضحاً أنّ مجرد مشاركته في المنتدى كان لترك بصمة كبيرة وواضحة وتاريخية في هذا الاجتماع الذي يجمع قادة الدول الاقتصاديين. إلّا أنّ هذه البصمة لن تكون سوى حفرة على جليد غرينلاند، سرعان ما ستتحلل مع ذوبان الجليد بسبب الاحترار العالمي الذي سبق أن أنكره.
اجتماع دافوس هو اجتماع سنوي يعقده قادة العالم الاقتصاديين في ما يسمى "المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس"، وقد عقد هذا العام (بين 19 و23 كانون الثاني) في لحظة حرجة تشهد تحوّلات كبيرة في كلّ شيء تقريباً ويمكن لنتائجها أن تُغيّر أو تُهدّد مستقبل البشرية جمعاء. فالخيارات التي تُتخذ الآن بشأن الطاقة والتمويل والتعاون لن تُحدّد فقط مستقبل المناخ، بل ستُحدّد أيضاً المرونة الاقتصادية والاستقرار العالمي لعقود قادمة.
هذا العام لم تُطرح قضايا المناخ كملفٍ منفصل أو من خلفية انقاذ الكوكب، بل جرى إدماج هذا الموضوع ضمن نقاش أوسع حول الاقتصاد العالمي، أي، على الأصح، من خلفية اعتبار المناخ قضية اقتصادية استثمارية، سواءً من ناحية فرص الاستثمار الأخضر والطاقة المتجدّدة أو لناحية التحوّل الطاقوي والأمن الجيوسياسي. وهذا ما يتطلّب إعادة البحث في أمن الطاقة وطرق وسلاسل الإمداد والصراعات العالمية والتجارية ذات الصلة، خصوصاً مع تأكد الدول الصناعية الكبرى أنّ الصراع المستجد هو على المعادن النادرة التي تُصنّع منها التكنولوجيا العالية والطاقات المتجدّدة، بالإضافة الى التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي.
انطلاقاً من هذه المعطيات الجديدة، لا يمكن تفسير إنكار الرئيس الأميركي لقضية تغيّر المناخ وسخريته من كثرة استيراد مراوح الهواء من الصين التي لا تستخدمها هي نفسها، إلّا كدليلٍ على أن موقفه العنيف من مفاوضات المناخ والاتفاقيات الدولية ذات الصلة ليس إنكاراً بقدر ما هو ردّة فعل متأخرة للحاق بسوق الطاقات المتجددّة عبر وضع اليد على المعادن النادرة والقدرة على منافسة الصين التي تحتكر أكثر من 70% من إنتاجها وتكريرها وتعدينها.
لم تعد الأدلة موضع خلاف، كما يعتقد البعض. وهناك شبه إجماع دولي على أن التوسّع المستمر في إنتاج الفحم والنفط والغاز يتعارض مع استقرار الكوكب، وعلى أن الوقود الأحفوري لا يزال المحرّك الرئيسي للاحتباس الحراري وتدهور النظم البيئية، مما يخلق مخاطر مادية على النظم الغذائية والصحة العامة والبنية التحتية والاقتصادات الوطنية.
لم تعد هذه المخاطر مجرد مخاطر نظرية. فالكوارث المناخية والخسائر والأضرار الناجمة عن الأحوال الجوية القاسية تؤدي إلى زيادات حادّة في أقساط التأمين التي لم تعد كافية لتغطيتها. وقد برهنت الكوارث الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية نفسها لاسيما حرائق الصيف وأعاصير الشتاء، أن الكلفة ترتفع سنةً بعد أخرى تماماً مع زيادة الكوارث، وأن مخاطر المناخ تظهر بشكلٍ متزايد في كيفية تصنيف الدول من قبل الأسواق المالية وفي حسابات الشركات.
في الوقت نفسه، دخل التحوّل العالمي في قطاع الطاقة مرحلة حاسمة. أصبحت تقنيات الطاقة المتجدّدة الآن أكثر تنافسية وأرخص كلفةً وأسرع انتشاراً وأكثر مرونة وأسهل وصولاً من الوقود الأحفوري في معظم مناطق العالم… من دون أن نذهب الى المبالغة بالقول أنّها يمكن أن تشكل البديل عن الوقود الأحفوري إذا بقي العالم على نفس نموذجه الحضاري الحالي الذي يستهلك الطاقة بصورةٍ ضخمة وتصاعدية ومن دون حدود.
ومع ذلك، ورغم زيادة الاعتماد على الطاقة المتجدّدة وزيادة فرص العمل فيها، لا يزال اقتصاد الوقود الأحفوري يُمارس نفوذاً سياسياً ومالياً هائلاً. وقد تجلّى ذلك بوضوح في مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) في بيليم، حيث فشلت المفاوضات مرةً أخرى في التوصل إلى التزام واضح وملزم بالتخلّص التدريجي من الوقود الأحفوري، بسبب الوجود الطاغي لأصحاب مصالح الوقود الأحفوري على الوفود الرسمية المفاوضة. ولا تزال الفجوة بين ما يطالب به العلم وما تقدمه السياسة واسعة بشكلٍ خطير.
لطالما كان دافوس مركزاً لمناقشة وتشكيل مستقبل الاقتصاد. في نسخة العام 2026 لم يظهر أن هناك تحالفات شبيهة بتلك التي نشأت في بيليم تتبنّى قضية الخروج من الوقود الأحفوري على طريقة المبادرة التي قادتها كولومبيا وهولندا للدفع بايجاد خارطة طريق للخروج من الوقود الأحفوري وإنقاذ المناخ…. فالهّم الاقتصادي، كما دائماً، يتجاوز أي همّ آخر، خصوصاً أن الأهداف الأساسية لمثل هذه الاجتماعات هي محاولة ايجاد قواسم وموارد مشتركة، ومحاولة إدارة النزاعات التجارية وتلك المتعلقة بالموارد بين الذين لديهم أو يمثّلون القوى الاقتصادية الكبرى. فبالنسبة لقادة الأعمال والمال، لم يعد السؤال هو ما إذا كان عصر الوقود الأحفوري سينتهي، بل كيف سينتهي، ومن سيقود، ومن سيتخلّف وبأيّ اتجاه جديد ستذهب الاستثمارات؟ .
ولا يُقال أيّ كلام عن الواجب الأخلاقي للدول التي تقدّمت وراكمت ثروات من زيادة تنميتها واستغلالها واستنزافها للموارد… بل كيف تُعتبر الكوارث ونتائجها فرصة اقتصادية جديدة! مع علمهم جميعاً، انه لم يعد من الممكن معالجة الأزمات العالمية والمحلية في أنظمة الغذاء، والصحة، والاستقرار الاقتصادي بشكلٍ منفصل عن معالجة قضايا تغيّر المناخ.
كان المنتدى الاقتصادي العالمي بمثابة منصة لعرض الطموح المناخي، إلّا أنه في هذه الدورة الأخيرة أصبح يتحدث أكثر عن كيفية التعامل مع الأضرار. كانت الندوات في الماضي تُعنى، ولو بخجل، بكيفية التخلص من الوقود الأحفوري والحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض. ويقال هذا العام إنه تم استبعاد هذا الموضوع، تجنباً لغضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولهذا تم تغيير البرنامج في دافوس هذا العام والتركيز إلى بناء أنظمة قادرة على مواجهة الأضرار وتعزيز قدرة الطبيعة على استيعاب آثار تغيّر المناخ، بدل الحديث عن كيفية التخفيف من الانبعاثات. حتى إن منظمي المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام اختاروا عنوان "كيف يمكننا بناء الازدهار ضمن حدود كوكبنا؟" كعنوان رئيسي لتجنّب ذكر "تغيّر المناخ"!
اصحيح أن المنتدى اعتبر أن "التحوّل في قطاع الطاقة فرصة اقتصادية"، وأن "الانتقال نحو اقتصاد صديق للبيئة من شأنه أن يفتح آفاقاً تجارية بقيمة 10 تريليونات دولار سنوياً، وأن يوجد ما يقرب من 395 مليون وظيفة بحلول عام 2030، مما يُظهر كيف يمكن للاستدامة أن تدفع عجلة النمو الشامل"... إلّا أنّه يعرف ضمناً أن الدول الصناعية الكبرى المتنافسة على الأسواق لن تتوقف عن اعتماد أرخص أنواع الوقود كالفحم الحجري للانتاج بكلفةٍ أقل والمنافسة في الاسواق، لاسيما في الطاقة المتجدّدة!
ينشر المنتدى الاقتصادي العالمي سنوياً استطلاعاً لآراء الخبراء حول العوامل التي قد تُشعل أزمة عالمية في العام المقبل. وقد اظهر أنه في عام 2024، اعتُبرت "الظواهر المناخية المتطرفة"، الخطر الأول على الاستقرار. وفي عام 2025، تراجع هذا الخطر إلى المرتبة الثانية بعد النزاعات المسلحة بين الدول. أمّا في هذا العام (2026) فقد تراجع هذا الخطر إلى المرتبة الثالثة بفارقٍ كبير، أمام المخاوف بشأن المواجهة الجيو-اقتصادية القائمة… بالرغم من أن المظاهر المناخية المتطرّفة قد زادت وجرى تسجيل أرقام قياسية جديدة في الحرارة والكوارث المناخية على أنواعها!
لم تعد هذه المخاطر مجرد مخاطر نظرية. فالكوارث المناخية والخسائر والأضرار الناجمة عن الأحوال الجوية القاسية تؤدي إلى زيادات حادّة في أقساط التأمين التي لم تعد كافية لتغطيتها. وقد برهنت الكوارث الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية نفسها لاسيما حرائق الصيف وأعاصير الشتاء، أن الكلفة ترتفع سنةً بعد أخرى تماماً مع زيادة الكوارث، وأن مخاطر المناخ تظهر بشكلٍ متزايد في كيفية تصنيف الدول من قبل الأسواق المالية وفي حسابات الشركات.
في الخلاصة، في نسخة دافوس 2026 لم يعد موضوع المناخ أزمةً اخلاقية كونية، بل محركاً جديداً لإعادة هيكلة الراسمالية العالمية ضمن منطق السوق والمنافسة لدى المشكو من تسبّبهم بالكوارث المناخية!
احدث المنشورات