فشل مؤتمر بيليم المناخي في حث الدول على زيادة مساهماتها وفتح طريقا أسرع نحو الهاوية والمزيد من الكوارث المناخية - حبيب معلوف
فشل مؤتمر بيليم المناخي في حث الدول على زيادة مساهماتها وفتح طريقا أسرع نحو الهاوية والمزيد من الكوارث المناخية - حبيب معلوف
فشل مؤتمر المناخ الثلاثين في بيليم
البرازيلية، كما كان متوقعًا، في تحقيق أي هدف مهم لخفض الانبعاثات والحد من
التغيرات والكوارث المناخية. ولم تخطو الدول المتجاذبة، او على الاصح المتكاذبة،
أي خطوة باتجاه الخروج من الوقود الأحفوري أو الابتعاد عنه. وعلى مدة
أسبوعين، لم تتمكن الدول التي اجتمعت في البرازيل من التوصل إلى اتفاق حتى
"طوعي" لبدء المناقشات حول خارطة طريق تؤدي في نهاية المطاف إلى التخلص
التدريجي من الوقود الأحفوري، كما ورد لأول مرة في إعلان دبي العام 2023. وكانت
المحادثات قد انتشلت من حافة الانهيار في جلسة استمرت طوال الليل حتى صباح السبت
2025/11/2 بعد مواجهة مريرة بين تحالف كبير يضم دولًا متقدمة ونامية والمجموعة
العربية بقيادة المملكة العربية السعودية وحلفائها بالإضافة إلى روسيا، ومجموعة
أخرى تضم دول متقدمة ونامية ايضًا، وفي ظل مقاطعة أميركية لافتة.
توهمت بعض الدول النامية بأنها حققت
جزءًا من هدفها في المحادثات العالمية، وهو مضاعفة الدعم المالي المتاح من الدول
الغنية ثلاثة أضعاف لمساعدتها على التكيف مع آثار أزمة المناخ، بالرغم من معرفتها
أنها لن تحصل على 120 مليار دولار سنويًا للتكيف قبل العام 2035 بدل العام 2030
كما كانت موعودة! مع العلم أن اتفاق العام الماضي في باكو الاذربيجانية أوصى بأن
تضخ هذه الدول المتقدمة 300 مليار دولار، قبل عام 2035، أي ما يقارب نصف المبالغ
المقررة على التكيف كما كانت تطالب البلدان النامية. ومع العلم أيضا أن الدول
المتقدمة لا تفي عادة بالتزاماتها، إذ سبق أن تعهدت في القمة المناخية التي عقدت
في كوبنهاغن العام 2009 بدفع مئة مليار سنويا بدأً من العام 2020 ولم تلتزم بعشرين
بالمئة من هذا المبالغ!
أما حال الكوكب الآن، فقد تغير
كثيرًا عن العام 2009، كما تغير عن العام 2015، تاريخ إقرار اتفاقية باريس
المناخية التي تعهدت بها دول العالم بأن لا تتجاوز حرارة الأرض درجة ونصف الدرجة
نهاية القرن، لكننا وصلنا إلى الدرجة والنصف منذ سنتين، مع ترجيح تجاوزها سريعًا،
لأن أحدًا لم يلتزم بشيء وزادت الانبعاثات العالمية بدل أن تنخفض. فما الذي ينفع
الدول النامية بأن يزيد تمويلها لتعالج قضايا التكيف بعد عشر سنوات، وهي لن تستطيع
تحمل كلفة معالجة الخسائر والأضرار التي بدأت مع الكوارث المناخية والتي تتجاوز
هذا الأرقام بثلاث مرات أيضا، حسب التقديرات الأخيرة لشركات التأمين
الدولية؟
في بيليم، تم التهليل كثيرًا قبيل
انعقاد المؤتمر بأنه تم اختيار مكانه قرب الغابات من أجل أن يكون الموضوع رقم واحد
هو تمويل آلية ما لحمايتها… وجاءت حصيلة المؤتمر بأنه لم يتم الالتزام ببند يتعلق
بوقف إزالة الغابات في الاتفاق النهائي، وهو ما كان بمثابة خيبة أمل كبيرة بالنسبة
للمدافعين عن الطبيعة في مؤتمر "الغابات المطيرة" الذي عقد بالقرب من
مصب نهر الأمازون!
قبل المؤتمر، كان من المفترض أن تقدم
الدول خططًا وطنية جديدة لخفض الانبعاثات، لكنها لم تفِ بالالتزامات اللازمة
للحفاظ على حد الـ 1.5 درجة مئوية، الذي تم تجاوزه بالفعل. وبدلًا من إدانة هذا
الفشل في البيان الختامي لتحميل الدول مسؤولياتها، اتفق المؤتمر على إنشاء برنامج
"مُسرِّع" لمعالجة النقص في المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، والذي سيُقدَّم تقرير
عنه إلى مؤتمر الأطراف العام المقبل، المزمع عقده في تركيا برئاسة أستراليا، أي
تأجيل وتأخير البحث في هذه المساهمات (الهزيلة أصلا) والتعويض عن ذلك بنص يحث
الدول على "التنفيذ الكامل للمساهمات المحددة وطنياً مع السعي لتحسين
أدائها"!
في بيليم، هللت بعض شبكات المجتمع
المدني بإقرار الاتفاق النهائي بـ"الانتقال العادل" الذي طالما
دعا إليه نشطاء العدالة الاجتماعية، والذي يعني وضع آلية ومبادئ عالمية
للانتقال العادل ومساعدة العمال المتضررين من التحول عن الوقود الأحفوري والانتقال
إلى الطاقة النظيفة، وتسهيل التمويل ودعم قدرات التحول المهني ودعم المشاريع
الصغيرة وتدريب العمال على تقنيات الطاقة المتجددة وخلق منصات للحوار بين الحكومات
والمجتمع والعمال والشركات وتبادل التجارب بين الدول، الخ. وكلها آليات، تحتاج الى
تمويل قليل يذهب في معظمه إلى فتح وإدارة الحوارات بين الأطراف المذكورة وتضييع
الوقت لسنوات وسنوات، تستفيد من إضاعته الشركات والدول المعتمدة في اقتصادياتها
على الوقود الأحفوري لتمديد توسيع مصالحها وتوفير الوقت الكافي لها لزيادة أرباحها
قبل أي بحث بإيجاد آلية للخروج من الوقود الأحفوري ضمن خارطة طريق محددة رفضت
البحث فيها شبكات مصالح الدول النفطية في المؤتمر نفسه!
هذا التفسير للانتقال العادل لم يعد
له معنى، لا بل تحول إلى غطاء لكسب الوقت تساهم فيه وتستفيد من عائداته
البسيطة منظمات من المجتمع المدني لتسويقه أيضًا، في وقت يفترض أن يحمل
مفهوم "الانتقال العادل" على الأقل تحميل البلدان المتقدمة المسؤولية عن
تراكم انبعاثاتها منذ الثورة الصناعية التي حصلت في بلدانها، وأن تنتقل هي أولا
لنظام حضاري جديد يعتمد ويعيش بطاقة أقل ونظيفة، ويتحمل مسؤولية التعويض على
البلدان النامية بمنحها تقنيات الطاقة المتجددة مجانا، والتعويض على عمال التقنيات
القديمة. مع العلم أن الانتقال الى الطاقات المتجددة والى الاتربة والمعادن
النادرة والحرجة بدل الاحفورية، لن يحصل بهذه السرعة ولا بهذه الآلية السطحية التي
عرضناها، وتم إقرارها في بيليم، بل عندما تجد دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية
البنية التحتية لهذا الانتقال، أي المعادن النادرة وتضع يدها على كميات تنافس تلك
التي تحتكرها الصين الآن بنسبة 70% على المستوى العالمي. وهذا ما يفسر ذهاب الرئيس
الاميركي دونالد ترامب بعد تمزيق اتفاقية باريس المناخية في بداية ولايته الثانية
فورًا للاتفاق مع دول عديدة لتأمين الاتربة والمعادن النادرة ووقع اتفاقية مع استراليا
للتعاون في التعدين والمعالجة للمعادن الحرجة والعناصر الارضية النادرة وتأمين
سلاسل التوريد. كما وقع مع اليابان إطارًا لتأمين إمدادات هذه المعادن، ومع
ماليزيا وقع مذكرة تفاهم للتعاون في هذه المعادن الحرجة، ومع تايلاند لتطوير سلسلة
هذه المعادن، ومؤخرا مع أوكرانيا لتأسيس صندوق استثماري لإعادة الإعمار يعتمد على
عائدات هذه المعادن وتطوير المناجم، الخ.
من جهة أخرى، ظهر جليا في
بيليم كيف عرقلت الصين وروسيا بنودًا رئيسية تتعلق بذكر استغلال
"المعادن الأساسية" والاعتراف بالمخاطر البيئية والاجتماعية
للاستخراج وحماية العاملين في المناجم، أثناء الحديث عن الانتقال العادل. وهذا ما
يفسر سطحية النص الذي تم إقراره حول الانتقال العادل الذي لا يدخل فيه بند
المسؤولية التاريخية للبلدان المتقدمة مثل الولايات المتحدة الاميركية بتحمل كلفة
الانتقال ولا أتى على ذكر كيفية ادارة المادة التي يفترض الانتقال إليها وضبط
سلاسل التوريد لبلدان مثل الصين وروسيا . وللدلالة على هزالة هذا الموضوع الذي لا
يقدم أي شيء في مباحثات المناخ، تم قبول النص الهزيل بالانتقال ورفض النص المتعلق
بوضع خارطة طريق للخروج من الوقود الأحفوري. فقد أعلنت أكثر من 80 دولة تأييدها
لإدراج التزام "الابتعاد عن الوقود الأحفوري" في النتيجة النهائية، لكن
عددًا أكبر من الدول النفطية وتلك التي تدور في فلكها رفضت ذلك.
لقد أجبرت هذه المعارضة على إحالة
"الابتعاد عن الوقود الأحفوري" (الذي يقول العلماء إنه ضروري
لتجنب أسوأ آثار انهيار المناخ) إلى التزام طوعي بدلاً من القرار الملزم قانونًا
الذي كان يأمله الكثيرون.
قبيل نهاية أعمال قمة المناخ
البرازيلية في بيليم طرحت الرئاسة إمكانية الوصول في الساعات الاخيرة الى إقرار
خارطة طريق للخروج من الوقود الأحفوري، على أن يترك لكل دولة حرية اختيار مسارها
الخاص، على طريقة "المساهمات المحددة وطنيًا" في اتفاقية باريس العام
2015 ، وهذا يؤشر أن مسار التكاذب المتبادل لا يزال مسيطرًا والكل سيكون راض بكونه
غير ملزم بشيء... في وقت تسجل فيه أرقامًا قياسية جديدة كل سنة في زيادة
الانبعاثات وزيادة حرارة الأرض وزيادة الكوارث المناخية وزيادة التكاذب
الدولي! وهذا يدل مرة اخرى أن التكاذب لا يزال العنوان الأساسي للمفاوضات
وأن القرارات لا تؤخذ الا بالاجماع، في وقت لا يحصل الإجماع إلا على العناوين
الفارغة من أي التزام… ولم يعد هناك من جدوى أن تسلّم المفاوضات إلى الدول أو من
يسيطر عليها من قبل الشركات ومندوبيها الذين يدخلون مع الوفود الرسمية ويسيطرون
على كل شيء، ويفترض أن تنتقل المبادرة الى الشعوب التي عليها أن تنتظم وتتعاون
لانقاذ المناخ عبر تغيير الأنظمة المسيطرة وضبط هذا التنافس والصراع الدولي
المدمر. كل ذلك بعيدًا عن منطق البلدان النامية الذي لا يزال يقول منذ أكثر من ربع
قرن "إن الدول التي استخدمت جميع مصادر الطاقة خلال المائتي عام الماضية،
وبلغت ذروة النمو الصناعي (ومع ذلك لم تتوقف عن استخدامها) وتدعونا إلى التوقف عن
النمو". و "إن الحق في النمو والأمن أساسي لكل دولة". واستبداله
بمنطق يقول أن نموذج التنمية الغربية الذي ساد منذ الثورة الصناعية ودمر الكوكب،
يجب أن يتوقف، وأن يستبدل بنظام أقل شراهة على كل شيء. وعلى البلدان المتقدمة أن
تتحمل مسؤوليتها التاريخية في الانتقال العادل إلى نموذج أقرب إلى الطبيعة
والتعويض على البلدان النامية لكي لا تسير على الطريق نفسها التي سلكتها هي، لانقاذ
الكوب والمناخ والشعوب الحالية والآتية التي لها أيضًا الحق في موارد الأرض التي
تم استنزافها بنموذج التنمية غير المحدود.
احدث المنشورات
النشرة الشهرية لشهر تشرين الأول/أكتوبر - مواجهة الصمت: نظرة نقدية لواقع المرأة في منطقتنا