Aug 01, 2022
دورة تدريجية بديلة ونظام منشّط متعدّد الأطراف: عبَر من تجربة أمريكا اللّاتينية - روبيرتو بيسيو

دورة تدريجية بديلة ونظام منشّط متعدّد الأطراف: عبَر من تجربة أمريكا اللّاتينية

روبيرتو بيسيو، منسّق الأمانة العامة لـ”الراصد الإجتماعي“



في منطقة أمريكا الّلاتينية، لم يعمل الانتعاش الاقتصادي الذي بدأ في عام 2021 بعد الإنتكاسة الكبيرة عام 2020 على إيقاف الأزمة الإجتماعية. "إن معدلات البطالة ومستويات الفقر والفقر المدقع أعلى مما كانت عليه قبل جائحة 

‏ COVID-19"، وفقًا للّجنة الاقتصادية الإقليمية التابعة للأمم المتحدة  (ECLAC).



من بين المتضررين، عانت النساء من "نكسة تاريخية". استنتجت اللجنة الإقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في تقريرها الذي نُشر مؤخرًا بعنوان "المشهد الاجتماعي لأمريكا اللاتينية 2021" أن "إحدى نتائج هذا الوباء تمثلت في زيادة عبء الرعاية المنزلية غير مدفوعة الأجر والعمل المنزلي الذي تتحمله النساء بالدرجة الأولى. كما أنها كانت ممثلة تمثيلاً زائدًا في قطاعات متعلقة بالرعاية والخطوط الأولى للاستجابة للوباء. كان الانتعاش الاقتصادي أبطأ في القطاعات التي تتّسم بوجود أكبر للإناث وبالتالي" فقد أدّى الوباء بشكل واضح إلى تفاقم اللامساواة بين الجنسين وعزز التحديات الهيكلية التي يقوم عليها. إن فقدان الدخل، وزيادة انعدام الأمن الوظيفي، والإفتقار إلى الوقت هي ظواهر تؤثر على النساء أكثر من غيرها وقد تفاقمت خلال الأزمة".



لكن فيما كانت نساء أمريكا اللاتينية فقيرات بمعدّل أكبر من المتوسطات الوطنية، وبينما انكمش نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي (GDP) بنسبة 7.6٪ في عام 2020، ارتفعت ثروة 104 مليارديرات من أمريكا اللاتينية المدرجة أسماؤهم في قائمة فوربس، بنسبة 14٪ بين عامي 2019 و2021. الأعباء الناتجة عن الأزمة موزعة بشكل غير عادل للغاية. قد تجد حالة أمريكا اللّاتينية أوجه تشابه مع مناطق أخرى.



تكلفة المعيشة


في عام 2022، ترتفع أسعار المواد الغذائية والطاقة بشكل كبير في جميع أنحاء العالم، حيث تشوّه العرض بسبب الحرب في أوروبا والقيود الشديدة في مراكز التجارة الصينية مثل شنغهاي. وتضيف المضاربة هذا التأثير من خلال المراهنة في بورصة شيكاغو على تقلّب أسعار السلع الأساسية. أما بالنسبة للبلدان النامية، فإن التأثير أسوأ بعد، حيث أن ارتفاع أسعار الفائدة في البلدان النامية، وهي أداة تستخدمها لمحاربة التضخم المحلّي، تستقطب تدفّق استثمارات من البلدان النامية، وفي نفس الوقت ترفع سعر فائدة سنداتهم، مما يزيد من صعوبة سداد الدين الخارجي.



ارتفاع تكلفة الديون


من المرجّح أن يتبع أزمة الديون في سريلانكا عجز عن السداد مماثل في العديد من البلدان الأخرى، ما سيؤدي إلى سياسات تقشف، مفروضة من قبل صندوق النقد الدولي (IMF) كشرط للحصول على قروض الإنقاذ أو من قبل وكالات التصنيف الائتماني من أجل عدم خفض مستوى جدارتها الائتمانية.



مع ارتفاع نسبة ديون البلدان النامية في أيدي المستثمرين من القطاع الخاص، تزداد قوة هذه الوكالات. وبينما تستمر الشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي طالما أن القروض قصيرة الأجل لهذا "الملاذ الأخير للإقراض" مستمرّة (لخمس سنوات بحد أقصى، ما لم يتم تجديدها)، فإن شروط السياسة التي تفرضها وكالات التصنيف الائتماني ليس لها تاريخ انتهاء صلاحية. في حال تم "خفض تصنيف" بلد ما من قبل هذه الوكالات، فسيتعين عليه دفع فوائد أعلى لقروضه، التي بدورها تجعل سداد الدين أكثر تكلفة.



من أجل أن يتم تصنيفه على أنه ذو جدارة ائتمانية، يجب على البلد تنفيذ سياسات تقشف غير شعبية وموازنة تخفيض ميزانيته على الخدمات الاجتماعية وتقليص أو إلغاء الإعانات التي تؤدي إلى خصخصة مؤسسات الدولة، وما إلى ذلك. وهذه بدورها تخلق توترات بين الحكومة والفئات الأكثر فقرًا من السكان.



دورة تدريجية بديلة


عوضًا عن مناقشة ديمقراطية حول التعديلات المطلوبة في العقد الاجتماعي وكيفية حثّ المستفيدين من الوباء على دفع حصتهم العادلة، نشهد احتجاجات الشوارع في بلدان عدة، غالبًا ما يتم قمعها بعنف، ما يؤدي إلى خلق حلقة مفرغة من عدم الإستقرار الذي بدوره يزيد من وطأة الأزمة الإقتصادية والمالية.



أما هذه فليست بنتيجة محتومة. يمكن أن تؤدي هذه الموجة الجديدة من الإمتعاض إلى تغييرات سياسية ملهمة. في أمريكا اللاتينية، أتت الانتخابات الديمقراطية إلى السلطة في الأشهر القليلة الماضية بحكومات تقدمية في هندوراس وتشيلي وكولومبيا (وقد تعيد لولا إلى الرئاسة في البرازيل في نهاية هذا العام). كما كان الحال خلال الموجة السابقة من الحكومات التقدمية التي حدثت قبل عقد من الزمن، فإن مكافحة الفقر وتقليص التفاوتات هي أولوية مشتركة. خلافًا لما كان عليه الحال سابقًا، وكما عبّر الرئيس الكولومبي المنتخب غوستافو بيترو، "لن تقوم الدورة التدريجية الجديدة على القطاع الإستخراجي". كما وعد بيترو بوقف التنقيب عن النفط الجديد ومعارضة التكسير الهيدروليكي، قائلاً إنه يريد إنشاء اقتصاد كولومبي أقل ضرراً بالبيئة، و "أكثر اعتمادًا على الإيكولوجيا الزراعية والتصنيع القائم على المعرفة".



مثل هذه الخطط ممكن إما أن تستفيد أو أن تتم عرقلتها من قبل الاقتصاد الكلي العالمي والبيئة السياسية. يمكن للتقسيم الجديد للعالم إلى كتلتين متضاربتين كبيرتين، المؤدي إلى الركود وسباق التسلح والانحراف الهائل في الموارد، أن يؤدي إلى سيناريو كارثي.



أما من جهة أخرى، يمكن أن يتعامل نظام منشّط متعدد الأطراف مع هذه التهديدات غير المسبوقة من خلال المضي قدمًا نحو اتفاق بشأن تغيّر المناخ، الذي من شأنه الحدّ فعليًا من الانبعاثات وتوزيع التكاليف وفقًا لمبدأ "المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة"، وهو نظام تجاري يسمح في الواقع بـ "معاملة خاصة وتفضيليّة" لصالح البلدان النامية، بالإضافة إلى نظام استثماري لا يحمي أرباح الشركات من سياسات الصحة العامة والحماية الاجتماعية واتفاق عالمي للتنوع البيولوجي يتقاسم بشكل فعّال الفوائد المستمدة من التنوع البيولوجي مع الشعوب الأصلية وصغار المزارعين (حيث الغالبية العظمى منهم من النساء) الذين يحمون الحياة على هذا الكوكب.



روبيرتو بيسيو، منسّق الأمانة العامة لـ”الراصد الإجتماعي“




 اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي التابعة لللأمم المتّحدة  (ECLAC) ، المشهد الإجتماعي في أمريكا اللاتينية، 2021

‏(LC / PUB.2021 / 17-P) ، سانتياغو ، 2022. متاح على: https://repositorio.cepal.org/bitstream/handle/11362/47719/1/S2100654_en.pdf