May 04, 2022
حول اتفاق الإطار بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي

حول اتفاق الإطار بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي – زياد عبد الصمد



أعلن من بيروت مؤخرا عن اتفاق إطار بين فريق يمثل الحكومة اللبنانية والفريق التقني لصندوق النقد الدولي المكلف التفاوض مع لبنان حول برنامج الدعم الخاص للتعافي من الازمة التي يتخبط فيها منذ أكثر من ثلاث سنوات. 



ان الازمة التي يعيشها لبنان متعددة الابعاد؛ فاذا كان الظاهر فيها الابعاد المالية والنقدية والاقتصادية والاجتماعية ولكنها في المقام الأول هي ازمة سياسية تتحمل مسؤوليتها معظم القوى التي تعاقبت على السلطة منذ أوائل تسعينات القرن الماضي، اكانت من القوى التي شاركت في الحرب الاهلية ومارست الحكم بعقلية ميليشيوية أو ممن لم تشارك في الحرب ولكن غلبت على ممارساتها المحاصصة والزبائنية.



التمادي في المحاصصة وصل الى حد تعطيل الحياة السياسية والعامة واليات الحكم الديمقراطي من خلال تهميش الدستور ودولة القانون. فبأي دولة في العالم يغلق رئيس البرلمان أبواب مجلس النواب لمدة تتجاوز السنتين او يستمر المجلس بالتمديد لنفسه لولاية كاملة؟ 



وفي أي دولة يتعطل فيها انتخاب رئيس للجمهورية ثلاث مرات على التوالي بحيث تجاوزت فيها مدة التعطيل الأخيرة السنتين والنصف؟



وفي أي دولة يستمر الانفاق العام فيها لمدة عشر سنوات متتالية من دون إقرار قانون موازنة عامة في مجلس النواب، لا بل يتباهى وزير خارجيتها امام الاعلام العالمي بان السلطة استطاعت إدارة شؤون الدولة من دون موازنة، الى ان وصلت الأمور بالنهاية الى هذا الانهيار المدوي.



في أي دولة تنفجر عاصمتها بفعل تخزين مواد خطيرة بأحد اهم المرافق العامة خلافا للأصول والقانون ولا يحاسب فيها مسؤول واحد على الأقل؟ رغم ان المسؤولين بمختلف مواقعهم الإدارية والأمنية والقضائية والسياسية كانوا يعلمون بوجود المواد المتفجرة، لا بل تتدخل أحزاب المنظومة الحاكمة بالإجراءات القضائية بشكل سافر لتعطيل التحقيق بالجريمة. 



إذًا الازمة سياسية، والا فكيف نفسر احجام السلطة عن اتخاذ تدابير او إقرار خطة للتعافي بعد مرور أكثر من سنتين على توقُف لبنان عن سداد ديونه العامة، بإستثناء تفويض غير معلن من قبل هذه السلطة لحاكم مصرف لبنان اتخذ بموجبه سلسلة من القرارات والتدابير التي تخفف من خسائر المصارف على حساب المالية العامة واموال المودعين. 



هذه المقدمة هي للقول بان أي اتفاقية مع صندوق النقد لن تحقق أهدافها الا إذا اقترنت بإصلاحات سياسية فعلية تعزز المساءلة والمحاسبة وتستعيد ثقة المواطنين والمستثمرين والشركاء الاقليميين والدوليين؛ اصلاحات تسترجع دولة القانون بدءا بإصلاح وتعزيز استقلالية القضاء وإقرار قوانين مكافحة الفساد واصلاح النظام النقدي والمالي والمصرفي كمدخل للتعافي الاقتصادي والاجتماعي الذي يتناول بشكل أساسي تعزيز الإنتاجية والمنافسة العادلة وقطاعات الطاقة والنقل والاتصالات واليات اعادة التوزيع بما في ذلك نظام ضريبي عادل ونظام الحماية الاجتماعية الشاملة، وقبل كل شيء التفاهم على توزيع الخسائر التي تفوق قيمتها المئة مليار دولار بشكل عادل بين الدولة والقطاع المصرفي والمسؤولين الذين تعاقبوا على الحكم ولم يقوموا بواجبهم الوطني كما ينبغي على المواطنين. 



لم يتنازل صندوق النقد عن المطالب/الشروط التي وضعها لإطلاق المفاوضات حول خطة التعافي ومساعدة لبنان على وقف الانهيار، إذ ان اتفاق الإطار ليس الا تمهيدا لذلك ولن يكتمل الا بعد اقراره من قبل مجلس إدارة الصندوق في واشنطن، وهذا الأخير يتمسك بتنفيذ هذه الشروط أولا. وللتذكير فان الشروط هي خمسة: تنفيذ التدقيق الجنائي على حسابات مصرف لبنان، اعادة هيكلة مصرف لبنان والقطاع المصرفي، تعديل قانون السرية المصرفية، اقرار قانون فرض قيود على تحويل الرساميل الى الخارج وتوحيد سعر صرف الليرة مقابل العملات الأجنبية.



مع العلم ان اتفاق الإطار هذا يتحدث عن قرض لا تتجاوز قيمته الثلاثة والنصف مليار دولار إلا ان التقديرات تجمع على ان الخسائر في القطاع المصرفي وحده تتجاوز السبعين مليارا. 



يبقى السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه لماذا الان؟ أي بعد مرور سنتين عن توقف لبنان عن سداد ديونه واحجام الحكومات عن إقرار خطة التعافي لإطلاق المفاوضات مع المؤسسة الدولية؟ لماذا الإعلان عن اتفاق الإطار أسابيع قبل الانتخابات النيابية؟ فهل هي رشوة انتخابية لتعويم المنظومة المتهمة بالتسبب بالانهيار من قبل مجتمعها أولا ومن قبل المجتمع الدولي ثانيا؟ ألم يشر البنك الدولي في تقاريره عن "الانهيار المفتعل"؟ وكذلك المقرر الخاص "للفقر وحقوق الانسان" في زيارته أواخر العام الماضي الى لبنان عندما قال في تقريره ان لبنان "دولة قيد الانهيار" مستغربا إحجام السلطة عن اتخاذ التدابير تلافيًا لذلك؟ هل بات المجتمع الدولي مقتنعًا بإستحالة التغيير في ظل المناخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي السائد وفي ظل اسوأ قانون للانتخابات النيابية كونه يعزز الزبائنية ويفرض قيام تحالفات غير مبدأيه تقوم على التسويات والتنازلات فتضعف من احتمالات وصول قوى التغيير الى مواقع القرار وتمنع القيام بالإصلاحات المنشودة؟ 



لقد ترافق اعلان اتفاق الإطار مع عودة المجتمع الدولي ممثلا بدول الخليج والاعلان عن نوايا طيبه تجاه لبنان، فهل يعني ذلك ان المرحلة التي ستلي الانتخابات ستشهد تحولا في التعاطي مع لبنان؟ 



مهما كانت نوعية التسويات المتفق عليها، ولكيلا يفهم من الاعتراض على اتفاق الإطار وعلى عودة الأخوة العرب الى لبنان بانه احتجاجًا او رفضا للمساعدة لا بل هو نابع من عدم ثقتنا بنوايا القوى التي تتكون منها منظومة الحكم الراهن، وقناعة منا بأن الانهيار المتسارع الذي يشهده لبنان لن يتوقف ما لم تلتزم القوى السياسية القادمة الى السلطة ببرنامج للتعافي ينطلق من مبدأ المواطنة التي تعزز الحقوق والواجبات وعلى رأسها المشاركة المتكافئة وتعتمد الشفافية والمساءلة والمحاسبة مدخلا لأي برنامج اصلاحي او للتعافي تقره.



زياد عبد الصمد