Jan 04, 2022
العراق 2021: تعافٍ مؤجل... وأزمة سياسية تستعر

العراق 2021: تعافٍ مؤجل... وأزمة سياسية تستعر - د. حسن لطيف كاظم 



مرة أخرى ينقضي عام مضطرب، حملت أحداثه البلد بين منعرجات تباينت تداعياتها ونتائجها، ما بين أزمة صحية وسياسية واقتصادية، وبين خروقات أمنية عكرت صفو محافظات لم تختبر هذا المستوى من العنف منذ سنوات، في ظل هذه الاحداث كان الاقتصاد حاضرا بقوة في الجدل حول الموازنة العامة وتغيير سعر الصرف وعودة الانتعاش في أسواق النفط العالمية، إذ تأجل التعافي مع استمرار سياسات التقشف المالي وانعدم الالتفات الى الواقع الاقتصادي المتردي.



منذ العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) دخلت البلاد ازمة سياسية بسبب نتائج الانتخابات التي صدمت القوى التقليدية المهيمنة على المشهد السياسي منذ عام 2003، لصالح صعود قوى شيعية وسنية لم يكن متوقعا أن يكون أداؤها بهذه القوة، ونجحت بالفوز بعدد كبير من المقاعد، فقلبت المعادلة السياسية، وفتحت الباب على احتمالات كثيرة بشأن شكل الكابينة الوزارية الجديدة وشخصية رئيس مجلس الوزراء القادم ونوعية السياسات التي يمكن أن تُنتهج في السنوات الأربع القادمة.



موازنة "غير مدروسة"


لم تفلح حكومة السيد مصطفى الكاظمي بإنجاز موازنة 2020 وإقرارها من قبل البرلمان على الرغم من أنها قدمت مسودة إلا أنها سرعان ما سحبتها وعملت بمبدأ الصرف 1/12 الذي يتيح لها إنفاقا متوسطا لما تم انفاقه في السنة السابقة، فيما عالجت العجز عن طريق قانون الاقتراض الذي اقر نهاية عام 2020.



وقدمت الحكومة موازنة 2021 الى البرلمان الذي اعاد هيكلتها جذرياً؛ ففي مسودة الحكومة بلغ الانفاق العام حوالي 160 ترليون دينار في حين في صياغة مجلس النواب والتي تم إقرارها بلغ الانفاق حوالي 129.99 ترليون دينار. وعلى أساس سعر تقديري للنفط بلغ 45 دولارا للبرميل وبسعر صرف 1450 دينار/ دولار تم تقدير اجمالي الإيرادات 101.3 تريليون دينار (81.1 تريليون إيرادات نفطية و20.115 تريليون إيرادات أخرى)، فيما قدرت النفقات التشغيلية بمبلغ 90.5 تريليون دينار، تتضمن أقساط الدين الداخلي والخارجي التي وصلت خدمته الى 9 تريليونات دينار، وقدرت النفقات الاستثمارية بمبلغ 29.1 تريليون دينار. فيما قدر العجز المخطط بمبلغ 28.67 تريليون دينار، على ان تمول 15.6 تريليون من قروض محلية و7.7 تريليون دينار قروض من الصندوق والبنك الدوليين، فضلا عن قروض صغيرة من 20 جهة عربية واجنبية اخرى.



وعلى صعيد التنفيذ الفعلي للموازنة تكشف بيانات الموازنة المفتوحة التي تنشرها وزارة المالية ولغاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2021 ان اجمالي الانفاق بلغ 76.094 تريليون دينار، تشكل 58.5% من اجمالي الانفاق المخطط، بينها 66.127 تريليون دينار إنفاقا جاريا (73.1% من اجمالي الانفاق الجاري المخطط)، فيما بلغ الانفاق الاستثماري المنفذ اقل من 10 تريليونات (34.2% من الاستثمار المخطط). وهذه البيانات تكشف عن استنتاجات منها:

- بما أن الإيرادات المتحققة فعليا قد بلغت 81.649 تريليون دينار، فان هذا يعني وجود فائض فعلي يبلغ 5.555 تريليون دينار لغاية نهاية الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية. 

- استمرار سوء تقديرات المالية العامة إذ يلاحظ الفجوة بين المخطط والفعلي في مجالات الايراد والانفاق، الذي يعود بالدرجة الأساس الى عدم قيام وزارة المالية بتمويل وحدات الانفاق.

استمرار التركيز على الانفاق الجاري (التشغيلي) واهمال الانفاق الاستثماري برغم من وضوح حاجة الاقتصاد لهذا الاستثمار، وهذا يعني استمرار الدور التقييدي للتقشف الحكومي غير المخطط للاقتصاد الذي يعاني من الكساد الوبائي ويؤخر خروجه من الازمة. 

- على الرغم من أن المادة 14/ثالثاً/أ نصت على إيقاف التعيينات، إلا أن هناك زيادة كبيرة في اعداد العاملين في موازنة 2021 التي إشارة الى عدد اجمالي للملاك الوظيفي يبلغ 3263834 موظفا بزيادة تبلغ 321944 درجة وظيفية، وبإنفاق على تعويضاتهم يبلغ 53.839 تريليون دينار (59.5% من اجمالي الانفاق التشغيلي)، وهو مسار يناقض على نحو صارخ ما وعدت به الورقة البيضاء من إصلاحات، بينما بلغت تعويضات الموظفين المنفقة فعلا للأشهر العشرة الأولى من السنة 34.132 تريليون، وهذا يعني أن اجمالي تعويضات الموظفين ستبلغ عند نهاية السنة حوالي 41 تريليون دينار، أي حوالي ثلاثة ارباع المبلغ المخطط انفاقه على وفق القانون، وهذا ما يثير الحيرة ويستعصي على التبرير المنطقي!


انتخابات مبكرة بنتائج صادمة


كانت الانتخابات المبكرة واحدة من الوعود التي قطعتها الحكومة على نفسها، وأحد أهم محاور برنامجها السياسي، والتي تشكلت على خلفية الاحتجاجات التي أطاحت بحكومة السيد عادل عبد المهدي، بعد مخاض عسير فشل فيه مرشحين اثنين من تشكيلها، وقبل الانتخابات جرى إقرار قانون جديد للانتخابات غير المعطيات التي اعتادت عليها العملية السياسية، إذ ولأول مرة يتم اعتماد نظام يختلف جذرياً عن جميع النظم الانتخابية التي اقرتها القوانين في الدورات الماضية، وقام على نظام الدوائر المتعددة وقسمت البلاد بموجبه على 83 دائرة انتخابية، ويستطيع المرشح طبقاً لذلك، المنافسة مع خصومه الآخرين ضمن الدائرة الانتخابية الواحدة، وهذا النظام الجديد يتقاطع مع نظام الدائرة الواحدة (2005)، ونظام الدائرة المفتوحة (2010) و(2014)، وصيغة نظام «سانت ليغو» الانتخابية (2018) الذي أصبحت فيه كل محافظة عبارة عن دائرة انتخابية واحدة.



وبسبب الطبيعة المتطورة للنظام الانتخابي فانه فرض صيغة تنافسية لم تختبرها الأحزاب السياسية، فأصبح صعود الفائز بأصواته هو بقطع النظر عن نتائج بقية الكتل والتحالفات. ففي الانتخابات السابقة لم يكن فوز المرشح وبأي عدد من الأصوات كافيا لضمان وصوله إلى البرلمان، إذا لم تتمكن قائمته الانتخابية من الحصول على القاسم الانتخابي الذي يؤهلها للمنافسة مع بقية القوائم على مستوى المحافظة، وفي انتخابات 2018 حصل عدد غير قليل من المرشحين على العدد الأكبر من الأصوات في محافظاتهم إلا انهم لم يضمنوا مقعدا في المجلس. من جهة أخرى، فان القانون الجديد ولأول مرة سمح -من الناحية العملية- بمشاركة أوسع للمرشحين المستقلين، إذ تشير بيانات المفوضية المستقلة للانتخابات إلى مشاركة حوالي 800 مرشح مستقل من مجموع 3250 مرشحاً، ممن تنافسوا لشغل 329 مقعداً، بينها 83 مقعداً مخصصة للنساء بموجب الكوتا التي تمنحهن 25% من مجموع مقاعد البرلمان، فضلا عن 9 مقاعد للأقليات الدينية والقومية.



جرت الانتخابات في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) وشكل اعلان النتائج الأولية صدمة سياسية للقوى الشيعية التقليدية، إذ جاءت الكتلة الصدرية في الصدارة وحققت 73 مقعداً من أصل 329، يليها تحالف تقدم الذي يتزعمه رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي بـ 37 مقعداً، فيما حلّ ائتلاف دولة القانون في المرتبة الثالثة (34 مقعداً)، والحزب الديمقراطي الكردستاني (33 مقعداً) رابعاً، بحسب النتائج الأولية التي أعلنتها المفوضية العليا المستقلة  للانتخابات في 16 تشرين الأول/ أكتوبر. ولم يكن فوز الصدريين وحده مفاجأة فقد حقق ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي 34 مقعداً، الذي حقّق 25 مقعدا في الدورة الانتخابية السابقة (2018). وسجلت النتائج الأولية صعود أحزاب ناشئة وشخصيات مستقلة فازت بـ 40 مقعداً.



في المقابل كان تحالف قوى الدولة الوطنية بزعامة عمار الحكيم المتحالف مع تحالف النصر برئاسة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي الخاسر الأكبر إذ حصلا على 4 مقاعد، مقارنة بالدورة الانتخابية السابقة التي حصلا منها على 40 مقعدا (النصر21 وتيار الحكمة 19 مقعدا). من جهة أخرى، تراجعت مكاسب تحالف الفتح الذي يضم أجنحة سياسية لعدد من فصائل الحشد الشعبي إلى 16 مقعداً، على الرغم من أنه حلّ بالمرتبة الثانية في انتخابات عام 2018 (48 مقعدا).



ومنذ الإعلان عن النتائج الأولية غير الرسمية رفضت القوى الخاسرة ضمن الإطار التنسيقي النتائج، ودعت إلى تظاهرات وطالبت بإعادة عمليات العد والفرز يدويا لجميع المحطات الانتخابية، وهو ما رفضته المفوضية لمخالفته قانون الانتخابات. ومع تطور الازمة ظهرت دعوات لإلغاء نتائج الانتخابات، واختيار موعد جديد لإجرائها، وعلى الصعيد القانوني رُفعت دعوى قضائية أمام المحكمة الاتحادية لإلغاء تلك النتائج.



وعلى ما يبدو أن عملية تشكيل الحكومة الجديدة ستكون محفوفة بالمشاكل الناتجة عن صعوبة التوصل الى توازنات لا تأخذ بنظر الاعتبار نتائج الانتخابات، وعلى الرغم من احتمالات استمرار الشراكة المكوناتية (شيعة- سنة- اكراد)، فان الخلاف الشيعي- الشيعي، سيشكل عاملا حاسما في تركيبة الحكومة الجديدة، التي يشير خطاب السيد مقتدى الصدر بانها حكومة مثقلة بالمهام الكبيرة، لذا فهي تحتاج الى "رجل قوي" ينهض بأعبائها ومواجهة الفرقاء من داخل البيت الشيعي وخارجه، فيما سيفضل جميع الشركاء رئيسا "جنتلمان" لا يشكل تحديا للقوى التقليدية بمن فيهم قوى الشراكة المكوناتية.



تأجيل التعافي


توقع البنك الدولي تحسن أوضاع الاقتصاد تدريجياً مع ارتفاع أسعار النفط وزيادة حصص إنتاج دول (أوبك+)، إلا انه لم يكن متفائلا بشأن نمو الناتج المحلي الإجمالي إذ توقع نموا بنسبة 1.9% في 2021 و6.3% في المتوسط عامي 2022-2023. ويُعزى هذا الحذر في التوقعات الى طبيعة الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل مفرط على النفط في تحقيق النمو والصادرات والإيرادات العامة، إلى جانب تزايد أوجه عدم المرونة في الموازنة، التي تهدد استقرار الاقتصاد الكلي، فضلا عن أن استمرار نقص الاستثمار، وضعف مناخ الأعمال في القطاعات غير النفطية، كلها تعيق البرامج الداعمة للنمو المستدام والفاعلية في تقديم الخدمات .

وفي ظل المخاطر التي اتسمت بها سنة 2021 فقد كان ممكنا ان يتهدد تعافي الاقتصاد بعدد من المخاطر منها:

- دورات انخفاض أسعار النفط.

- دور الدولة والفشل في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية. 

- التأخير في تقديم اللقاح واحتمالات العودة الى إغلاقات إضافية.

- استمرار نقص الاستثمار العام والخاص.

- تدهور الأوضاع الأمنية وسط التوترات الداخلية والجيوسياسية الإقليمية.



مع ذلك فان العامل الحاسم في تأخير التعافي كان دور الدولة والفشل في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، فعلى الرغم من الوعود بالإصلاح التي تضمنتها "الورقة البيضاء"  وخطة التعافي من تأثيرات كورونا، وتبنيها القرار الأكثر حسما -تغيير قيمة العملة- فان الحكومة لم تتخذ خطوات اصلاح اقتصادي ذات دلالة وتأثير، فعلى صعيد السياسة المالية استمرت في ممارسة الدور التقييدي للاقتصاد عبر التقشف الذي عمق الكساد الوبائي الذي يواجهه البلد، لاسيما وان "الورقة البيضاء" التي أقرها مجلس الوزراء في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، أريد لها أن تكون بمثابة خارطة طريق شاملة لإصلاح الاقتصاد العراقي ومعالجة التحديات التي تواجهه والتي تراكمت على مدى العقود الماضية بسبب السياسات الخاطئة والفساد وسوء الادارة وغياب التخطيط، فضلا عن الاعتماد شبه الكلي على النفط بوصفه مصدرا أساسيا لإيرادات الدولة.



وأيا كانت شخصية رئيس الوزراء فان عليه السير بحذر في مواجهة استحقاقات المرحلة القادمة التي تتطلب إصلاحات سياسية واقتصادية وأمنية لعل أهمها التعامل مع قضية دمج فصائل الحشد الشعبي في المؤسسة الأمنية.



د. حسن لطيف كاظم - أكاديمي بجامعة الكوفة ومدير مركز الرافدين للحوار/ العراق