السودان بين الحرب والتفكك: المشهد الإنساني والسياسي في 2025 - مدني عباس مدني محمد
السودان بين الحرب والتفكك: المشهد الإنساني والسياسي في 2025 - مدني عباس مدني محمد
1.
تمهيد
شهد العام الماضي 2025 تدهورًا مريعًا
في كافة نواحي الحياة في السودان. فمع استمرار الحرب السودانية التي اندلعت في 15
أبريل 2023، وتواصل العمليات العسكرية والقصف وقتل المدنيين، تزداد الأوضاع
الإنسانية سوءًا مع مطلع كل يوم جديد. كما تفاقمت معاناة السودانيين نتيجة التدهور
المستمر في الأحوال المعيشية بفعل الانكماش الاقتصادي الحاد.
يتناول هذا المقال بصورة عامة الأوضاع
في السودان، من خلال استعراض واقع الفضاء المدني، والأوضاع الاقتصادية، والحماية
الاجتماعية، إضافة إلى تناول آفاق أبرز التحديات السياسية المتعلقة بإيقاف الحرب
وتحقيق السلام، مع مقاربة لفهم طبيعة الصراع الدائر في البلاد.
2.
الوضع الإنساني في السودان
واصلت الأوضاع الإنسانية تدهورها في
السودان، حيث يحتاج أكثر من 30 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية تشمل الغذاء
والرعاية الصحية. ويواجه السودان أسوأ أزمة نزوح في العالم؛ إذ غادر أكثر من ثلاثة
ملايين سوداني البلاد مرغمين، بينما نزح أكثر من 9 ملايين شخص من أماكن سكنهم إلى
مناطق أكثر أمانًا داخل السودان.[1]
في مناطق النزاع، أصبحت أكثر من ثلثي
المستشفيات خارج الخدمة، وانتشرت العديد من الأمراض والأوبئة. ففي بداية عام 2025
بلغت حالات الإصابة بالكوليرا منذ اندلاع الحرب نحو 50 ألف حالة، إضافة إلى انتشار
حمى الضنك والملاريا. ورغم الجهود التي تبذلها المنظمات المحلية والدولية، فإن
التدهور في القطاع الصحي يتفاقم عامًا بعد عام، حيث تتحول الأوبئة والأمراض غير
المكافحة بجدية إلى أسلحة تقتل أرواح الناس بفتك يفوق رصاص الحرب.
ونتيجة لتوقف الدراسة والنزوح
الجماعي، يُقدّر أن ما بين 18 إلى 19 مليون طفل سوداني حُرموا من التعليم النظامي،
أي أكثر من 90% من الأطفال في سن الدراسة. ورغم بدء استئناف العملية التعليمية في
بعض المناطق الآمنة، إلا أن ذلك يتم وسط تحديات كبيرة، أبرزها تحويل المدارس إلى
مراكز إيواء، ومغادرة أعداد كبيرة من المعلمين أماكن عملهم أو خروجهم من البلاد.
3.
الفضاء المدني
تتواصل حالة العسكرة في السودان مع
تزايد أعداد المليشيات المسلحة، بالتوازي مع التضييق المستمر على الفضاء المدني
وتقليص مساحاته. وقد فُرضت قيود معقدة على عمل منظمات المجتمع المدني والمجموعات
القاعدية العاملة في المجال الإنساني، إضافة إلى التضييق على الفاعلين السياسيين
والمدنيين واعتقال المئات بتهم التعاون مع أحد أطراف النزاع.
يوجد في السودان أربع جهات مسؤولة عن
تنظيم عمل منظمات المجتمع المدني، ترتبط جميعها بسلطات الأمر الواقع في مناطق
السيطرة العسكرية المختلفة؛ ففي مناطق سيطرة الجيش السوداني تعمل مفوضية العون
الإنساني، بينما توجد هيئة للعون الإنساني في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع،
إضافة إلى جهة في جنوب كردفان بمناطق سيطرة الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد
العزيز الحلو، وجهة أخرى لتنسيق العمل الإنساني في مناطق سيطرة قوات عبد الواحد
محمد نور في دارفور.
ورغم هذا الواقع، شهدت سنوات الحرب
محاولات متعددة لمقاومة التضييق على العمل المدني وحماية المدافعين عن حقوق
الإنسان. كما تسعى العديد من المبادرات إلى توحيد صوت القوى المدنية الرافضة
للحرب، وهي محاولات، وإن لم تُكلل بالنجاح بعد، إلا أنها تعكس صمود المجتمع المدني
والمجموعات القاعدية في السودان.
4.
مخاطر التقسيم مع استمرار الحرب
شهد عام 2025 تصعيدًا عسكريًا
متواصلًا، ومع توفر الدعم الإقليمي لأطراف الحرب، تغيّرت ملامح السيطرة العسكرية
على الأرض. فبينما استطاع الجيش السوداني استعادة السيطرة على العاصمة الخرطوم
وولاية الجزيرة الاستراتيجية من قوات الدعم السريع، تمكنت قوات الدعم السريع من
السيطرة على مدينة الفاشر وعدد من المدن في إقليم كردفان، وعززت نفوذها في كردفان
ودارفور، مقابل سيطرة الجيش على شمال وشرق ووسط السودان.
تعزز خريطة السيطرة الحالية المخاوف
من خطر التقسيم، خاصة أن هذا الواقع أخذ طابعًا جهويًا وإثنيًا. وتفاقمت هذه
المخاوف عقب إعلان قوات الدعم السريع، والحركة الشعبية – شمال (جناح عبد العزيز
الحلو)، إلى جانب بعض السياسيين، تشكيل ما سُمي بـ«تحالف تأسيس» وإعلان
«حكومة السلام» في المناطق الخاضعة لسيطرتهم في دارفور وكردفان. وقد
عززت هذه الخطوة القلق من أن استمرار الحرب قد يقود إلى واقع تقسيم فعلي للسودان.
المبادرة
الرباعية: طريق للحل أم مبادرة فاشلة أخرى؟
في سبتمبر من العام الماضي، أصدرت
أربع دول هي الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات بيانًا مشتركًا دعت فيه
إلى إيقاف الحرب في السودان وفق مبادئ رئيسية، واقترحت مسارًا يبدأ بهدنة إنسانية
لمدة ثلاثة أشهر، تعقبها ستة أشهر للوصول إلى حل سياسي، ثم تشكيل حكومة مدنية
انتقالية.
وتكمن نقطة قوة المبادرة في ثقل الدول
الأربع وتأثيرها، إضافة إلى أنها جمعت الداعمين الرئيسيين لأطراف النزاع. إلا أن
البعض يتخوف من أن التناقضات بين مكوناتها قد تعيق مسارات تنفيذها، كما يظل
التساؤل قائمًا حول دور القوى المدنية الديمقراطية في أطر الحل المقترحة، رغم النص
على الوصول إلى حكومة مدنية انتقالية.
5.
الأوضاع الاقتصادية
واصل الناتج المحلي الإجمالي تراجعه
للسنة الثانية على التوالي. فقد قدّر تقرير للبنك الدولي انكماش الاقتصاد السوداني
بنحو 29.4% في عام 2023، ثم تراجع إضافي بنسبة 13.5% في عام 2024. وفي
عام 2025، تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى استمرار الانكماش، وإن بوتيرة أبطأ،
تتراوح بين 2% و4[2]%.
كما سجّل السودان أحد أعلى معدلات
التضخم في العالم خلال 2025، حيث أدى تدهور سعر العملة وندرة السلع الأساسية إلى
تضخم جامح تجاوز متوسطه السنوي 120% وفق تقديرات صندوق النقد الدولي. وتشير
التقديرات ذاتها إلى أن عجز الموازنة تجاوز 6% من الناتج المحلي الإجمالي.
أما البطالة، فقد ارتفعت إلى نحو 55.8%،
وهي النسبة الأعلى عالميًا، ما يعكس حجم التدهور الاقتصادي والدمار الذي طال
القطاعات الإنتاجية.
ومع انهيار مؤسسات الحماية الاجتماعية
الرسمية عقب اندلاع الحرب، باتت قدرة السودانيين على الصمود تعتمد بدرجة كبيرة على
آليات الحماية الاجتماعية التقليدية، مثل دعم الأقارب، ومبادرات المجموعات
القاعدية في الأحياء والقرى، ودور المجموعات الدينية والطرق الصوفية في توفير
الغذاء والاحتياجات الأساسية. ورغم الجهود المقدرة التي تبذلها المنظمات الوطنية
والدولية عبر برامج الدعم والخدمات والتحويلات النقدية، إلا أنها لا تزال دون
مستوى الاحتياج الفعلي، مع محدودية الدعم الموجه لصغار المنتجين.
6.
في فهم طبيعة الصراع في السودان
لا يمكن فهم طبيعة الصراع العسكري في
السودان دون استخدام أدوات تحليل متعددة. فهو من جهة صراع على السلطة والثروة نشأ
بين تحالفات عسكرية وسياسية وأمنية مرتبطة بنظام المؤتمر الوطني، الذي أُسقطت
قيادته في أبريل 2019، بينما ظلت قياداته العسكرية والأمنية فاعلة، حيث أعلنت
انحيازها للثورة، ثم تحالفت مع قوى الحرية والتغيير وشكلت الحكومة الانتقالية، قبل
أن تنقلب عليها في أكتوبر 2021.
كما أسهمت الطبيعة الغنائمية لنظام
المؤتمر الوطني، وتكوينه تشكيلات عسكرية موازية للجيش، إضافة إلى محاولات التيار
الإسلامي العودة إلى الواجهة بعد انقلاب أكتوبر 2021، في تغذية الخلافات بين
المكونات العسكرية وتأجيج الصراع.
ويرتبط ذلك بالصراع على الموارد، إذ
أصبحت صادرات الذهب، والثروة الحيوانية، والمحاصيل النقدية محل تنافس حاد بين
الجيش وقوات الدعم السريع. كما أن الارتباطات الإقليمية والدولية للقيادات
العسكرية، ذات الطابع السياسي والاقتصادي، جعلت الحرب في السودان ليست مجرد صراع
داخلي، بل حربًا بالوكالة جزئيًا، ساهم فيها تدفق التمويل الخارجي وتداخل النزاع
مع صراعات دول الجوار، ما حوّل الحدود إلى ممرات سهلة للسلاح والمقاتلين.
وتستخدم أطراف الحرب خطابات استقطاب
ذات طابع جهوي وإثني، وهي وإن لم تكن أسباب الصراع الأساسية، إلا أنها مع مرور
الزمن تتحول إلى عوامل فاعلة في استمراره.
7.
خاتمة
أثر الصراع المسلح في السودان سلبًا
على جميع مناحي الحياة، ولعب دورًا رئيسيًا في تدهور الأوضاع الاقتصادية وتفشي
البطالة، كما أدى استمرار الحرب إلى جعل السودان يعيش واحدة من أسوأ الكوارث
الإنسانية في العالم. وفي الوقت ذاته، واصلت أطراف النزاع التضييق على الفضاء
المدني وعسكرة المجال العام.
إن تجاوز هذا الواقع الكارثي يظل
مرتبطًا أولًا بإيقاف الحرب، وهو أمر يتطلب جهودًا محلية جادة تقوم على توحيد
القوى المدنية الديمقراطية الداعمة للسلام، إلى جانب الضغط على الأطراف الإقليمية
لوقف دعمها لأطراف الصراع، بما يفتح الطريق
أمام سلام مستدام في السودان.
احدث المنشورات
بين الحروب والأزمات: قراءة في المشهد العربي 2025 ومسار التنمية المستقبلية - زياد عبد الصمد