Oct 14, 2022
الانهيار الاقتصادي، غياب الحماية الاجتماعية، والمساعدات الدولية - أولغا جبيلي
أولغا جبيلي
باحثة إقتصادية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
أولغا جبيلي

الانهيار الاقتصادي، غياب الحماية الاجتماعية، والمساعدات الدولية - أولغا جبيلي



أزمة متعددة الأبعاد وعجز الدولة عن توفير الحماية الاجتماعية


يمر لبنان بأزمة متعددة الأبعاد وغير مسبوقة تزيد من الهشاشة الاجتماعية واللامساواة. وقد جاءت عواقب جائحة كوفيد-19 والانفجار المدمر في مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020 لتسرّع تدهور الخدمات العامة الضعيفة أصلًا وتلحق الدمار بالبنية التحتية، ومنها إمكانية الوصول إلى الصحة والتعليم والطاقة. ويؤدّي الوضع الراهن والمأزق السياسي وغياب صنع القرار والإرادة السياسية لتنفيذ الإصلاحات التي تشتد الحاجة إليها إلى تفاقم أوجه القصور الهيكلية هذه.



وقد وُصفت الأزمة لشدتها كـ "واحدة من أشد عشر أزمات، وربما أشد ثلاث أزمات في العالم منذ خمسينيات القرن التاسع عشر- وباتت تُعرّض للخطر الاستقرار والسلم الاجتماعي في البلاد على المدى الطويل. فقد أفلس نموذج التنمية الاقتصادية للبنان الذي ازدهر بفضل تدفقات وافدة كبيرة لرؤوس الأموال ودعم دولي في مقابل وعود بإجراء إصلاحات. علاوةً على ذلك، يحدث الانهيار في بيئة جيوسياسية تتّسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار، الأمر الذي يزيد من إلحاح الحاجة إلى معالجة هذه الأزمة الحادة."



وكما يقول البنك الدولي، فإن "إن حجم ونطاق الكساد المتعمّد الذي يشهده لبنان حالياً يؤديان إلى تفكك الركائز الرئيسة لنموذج الاقتصاد السياسي السائد في البلاد منذ انتهاء الحرب الأهلية. ويتجلَّى هذا في انهيار الخدمات العامة الأساسية، واستمرار الخلافات السياسية الداخلية المُنهكة، ونزيف رأس المال البشري وهجرة الكفاءات على نطاق واسع."



نتيجة لهذا الوضع، تشير التقديرات إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 10.5٪ في عام 2021، مقارنةً بانكماش بنسبة 21.4٪ في عام 2020، وقد فشل صانعو السياسات حتى اليوم بالاتفاق على خطة لمعالجة انهيار نموذج التنمية في البلاد، وفقًا للبنك الدولي (2022). كما يُقدّر ارتفاع نسبة من هم تحت خط الفقر الوطني في لبنان 9.1 نقطة مئوية بنهاية عام 2021، عدا الانهيار الكارثي في الخدمات العامة الأساسية بسبب استنفاد احتياطيات الأصول الأجنبية.



يعاني لبنان اليوم من تضخم مفرط غير مسبوق. فقد كشف مؤشر أسعار الاستهلاك لدى إدارة الإحصاء المركزي أن معدل التضخم الشهري في لبنان قفز من 110.24٪ في نيسان/أبريل 2021 إلى مستوى قياسي بلغ 222.88٪ في نيسان/أبريل 2022. ويرتبط هذا التضخم المفرط بشكل أساسي بانخفاض قيمة العملة الوطنية من 1500 ليرة لبنانية للدولار الأمريكي في تشرين الأول/أكتوبر 2019، إلى 39400 ليرة لبنانية/دولار أمريكي في تشرين الأول/أكتوبر 2022.



الشكل 1: معدل التضخم في لبنان (2018-2022)




المصدر: إعداد المؤلفة بناء على Blominvest (2022)



تدنّي قيمة العملة أدّى لانخفاض قيمة الحد الأدنى للأجور البالغ 675000 ليرة لبنانية، والتي كان تساوي 450 دولارًا أمريكيًا، أكثر من 84٪ بحلول شهر نيسان/أبريل 2021، إلى ما يعادل 72 دولارًا أمريكيًا. ورغم زيادة متوسط الأجور في القطاع الخاص في أيار/مايو 2022 بنسبة 50٪ من 1325000 إلى 2000000 ليرة لبنانية، فقد خسر الموظفون 92٪ من قيمة دخلهم بالدولار الحالي، حيث الزيادة أصبحت تساوي 75 دولارًا أمريكيًا مقارنة بما كانت ستساويه، أي 883 دولارًا، قبل العام 2019. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة الأسر التي تعيش على أقل من الحد الأدنى للأجور ارتفعت من 18٪ في عام 2019 إلى أكثر من 84٪ اليوم (نعمة، 2021)، عدا عن استمرار مستويات المعيشة والقوة الشرائية بالتدهور. في موازاة ذلك، ارتفع معدل البطالة من 11٪ عام 2019 إلى 30٪ عام 2021، وفقًا للإدارة المركزية للإحصاء.



أمّا مؤخرًا، فقد أشار برنامج الأغذية العالمي إلى تأثير الحرب في أوكرانيا على أسعار الوقود والغذاء في لبنان، فهو يعتمد على استيرادها، حيث يحصل على 80٪ من قمحه من أوكرانيا، والتي توفّر مع روسيا حوالي 30٪ من الحبوب حول العالم. بالنتيجة، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة كبيرة وصلت إلى 628٪ خلال عامين.



علاوة على ذلك، أصبح البنك المركزي عاجزًا عن توفير السيولة بالعملة الأجنبية للواردات، وأُلغي معظم الدعم على المواد بالنقد الأجنبي، خاصة الوقود والغذاء والدواء.



وكان انهيار مؤسسات الدولة وتراجع الإيرادات الحكومية بنسبة 12.72٪ بين عامي 2018 و2019 بما في ذلك انخفاض حاد بنسبة 42.26٪ في الإيرادات الأخرى غير الخزانة، والتأخير في اعتماد الميزانية منذ عام 2020 شديد الأثر على قدرة الدولة على تمويل احتياجات المجتمع الملحة والمتنامية وتعبئة الموارد المحلية للضمان الاجتماعي وحماية الدخل.



الجدول 1: مصادر إيرادات الحكومة اللبنانية (2017-2019)




المصدر: مبادرة غربال (2022)



وبحلول عام 2017، كان مستوى الدين قد وصل إلى 143٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وسجل ميزان المدفوعات عجزًا قدره 155.7 مليون دولارًا، نتيجة انخفاض احتياطيات العملات الأجنبية بشكل أساسي، حيث سجّل صافي تدفق العملات الأجنبية عجزًا مماثلًا خلال نفس الفترة. ومع استفحال العجز في الميزانية، لجأت الحكومات اللبنانية المتعاقبة إلى مزيد من الاستدانة، إما بالليرة اللبنانية من خلال إصدار سندات الخزينة، أو سندات مقومة بالدولار و/أو سندات اليوروبوند في الأسواق الدولية. وبحلول آذار/مارس 2020، تخلّف لبنان لأول مرة في تاريخه عن سداد سنداته من اليوروبوندز والبالغة 1.2 مليار دولار أمريكي (1.03 مليار يورو).



في نيسان/أبريل 2022، توصل صندوق النقد الدولي ولبنان إلى اتفاق على مستوى الموظفين لتقديم قرض بقيمة 3 مليارات دولار أمريكي لتغطية بعض احتياجات التمويل المقدرة بـ80 مليار دولار أمريكي، شرط أن يقوم لبنان بإجراء عدد من الإصلاحات. وقام مجلس الوزراء اللبناني في السياق ذاته بإقرار خطة للتعافي المالي اللازمة لتأمين المساعدات الدولية. بالرغم من ذلك، فإن الخطة ما تزال موضع نقاش وتنفيذها يعتمد على تشكيل الحكومة الجديدة.



سد الفجوة


تبقى قدرة لبنان ضعيفة في التعامل مع الصدمات المتداخلة، نظرًا لعجز مؤسسات الدولة عن تعبئة الموارد المحلية لتوفير الاحتياجات المالية واللوجستية المطلوبة لدعم الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية، لذا، فهو يعتمد بشكل كبير على المجتمع الدولي والوكالات التابعة له والمنظمات المتعددة الأطراف لملء الفراغ ودعم قطاعين رئيسيين: الأمن الغذائي والرعاية الصحية. ويأتي الدعم الدولي في ثلاثة أشكال: (1) الأموال المجمعة، (2) خطط الاستجابة/النداءات، (3) المنح والقروض الثنائية.



وبغياب رصد تدفقات التبرعات الخاصة إلى حد كبير، فإن الكثير من المساعدات المقدمة من الحكومات والمنظمات الدولية يتم التبليغ عنها عبر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UNOCHA) والحكومة اللبنانية.



يلخص الجدول أدناه إجمالي المبالغ التي تعهد بها المجتمع الدولي والتي قام بصرفها مقارنة بالمتطلبات، ويشير أيضًا إلى أعداد المستهدفين والقطاع الأساسي المستفيد من الدعم.



الجدول 2: ملخص الدعم الذي تم التعهد به والقيام بصرفه مقارنة بالمتطلبات من خلال الآليات القائمة




المصدر: تجميع وحسابات المؤلفة.



وتظهر البيانات المتاحة من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن المجتمع الدولي قام بصرف 2.7 مليار دولار أمريكي تقريبًا لدعم لبنان بين العامين 2020 و2021، وهو أقل بكثير عن تعهداته الأصلية البالغة 5 مليارات دولار أمريكي.



وبينما تقدر المتطلبات المالية لعام 2022 بحوالي 4 مليارات دولار أمريكي، بلغت المبالغ المُتَعهد بها من عامي 2020 و2021 قرابة 1.6 مليار دولار أمريكي.



وتجدر الإشارة إلى انخفاض إجمالي التمويل الوارد إلى لبنان بأكثر من 50٪ بعد عام 2020، حيث وصل إلى 1.08 مليار دولار عام 2020 و518.7 مليون دولار عام 2021 وسط أزمة عالمية ومحلية تتجه للأسوأ.



وسيتم تخصيص الحصة الأكبر من إجمالي التمويل الوارد للمؤسسات الحكومية (1.12 مليار دولار أمريكي)، تليها المنظمات غير الحكومية (13 مليون دولار أمريكي)، وأخيراً وكالات الأمم المتحدة (12 مليون دولار أمريكي).



ملاحظات ختامية


على الرغم من قدرات الدولة المحدودة على توفير الحماية الاجتماعية، لكن هذا لا يجب أن يعني الاعتماد على المجتمع الدولي لحل الأزمة على حساب بناء الدولة لضمان الانتعاش المستدام وطويل المدى. فالاعتماد على المساعدات الدولية والمنح والقروض بشروط يصعب تطبيقها على المدى القصير مقابل زيادة الاحتياجات. وستؤدي هذه المقاربة لزيادة الديون إلى مستويات لا يمكن تحملها، وإلى مزيد من الاعتماد على المجتمع الدولي والمنظمات غير الحكومية، مقابل الحد من إمكانية بناء مؤسسات دولة قوية.



وبدلاً من ذلك، ينبغي أن توفر الأزمة فرصة للدولة للانخراط في الإصلاحات التي تشتد الحاجة إليها وإيجاد حلول مستدامة طويلة الأجل على المستويات المؤسسية والاجتماعية والاقتصادية. لإعادة البناء بشكل أفضل، يجب على الدولة أن تحقق التوازن بين الاحتياجات الإنسانية الملحة قصيرة الأجل مع تعزيز الحكم وسيادة القانون.



بدلاً من ذلك، يجب أن تكون الأزمة فرصة أمام الدولة للانخراط في الإصلاحات التي تشتد الحاجة إليها وإيجاد حلول مستدامة طويلة الأجل على المستويات المؤسسية والاجتماعية والاقتصادية. وعلى الدولة تحقيق التوازن بين الاحتياجات الإنسانية الملحة قصيرة الأجل مع تعزيز الحكم وسيادة القانون، كي تعيد البناء بشكل أفضل.



والأهم من ذلك، يجب أن تصبح الأزمة فرصة للتفكير بشكل جماعي في بناء الأنظمة الأساسية لشبكة أمان اجتماعي وطنية قوية في لبنان، بعد أن أظهرت الأزمة متعددة الأبعاد حاجة ماسة إليه.



يعتبر البرنامج الوطني لاستهداف الفقر (NPTP) الذي أطلقته الحكومة اللبنانية في عام 2011 بمساعدة فنية ومالية من البنك الدولي شبكة الأمان الاجتماعي الوحيدة المخصص للأسر الأشد فقراً والأكثر هشاشة، ويستهدف الأسر اللبنانية التي تعاني من فقر مدقع، أي غير القادرة على تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية.



وكان مجلس المديرين التنفيذيين لمجموعة البنك الدولي قد وافق في عام 2021 على قرض بقيمة 246 مليون دولار أمريكي بعد تخلف لبنان عن سداد سندات اليوروبوند. ويهدف المشروع الجديد المسمى مشروع شبكة الأمان الاجتماعي لمواجهة الأزمة الطارئة وفيروس كوفيد 19 (ESSN) إلى توفير التحويلات النقدية الطارئة وتأمين الوصول إلى الخدمات الاجتماعية لحوالي 786 ألف لبناني فقير وضعيف (147 ألف أسرة) يعانون من عواقب الأزمة الاقتصادية والجائحة. وستحصل الأسر المؤهلة على تحويل شهري قدره 100000 ليرة لبنانية لكل فرد من أفرادها، بالإضافة إلى مبلغ ثابت يساوي 200000 ليرة لبنانية لكل أسرة.



وسيقوم مشروع شبكة الأمان الاجتماعي بتوسيع نطاق البرنامج الوطني لاستهداف الفقر وتعزيزه مع اعتماد منهجية استهداف اختبار الوسائل البديلة (PMT) لتحديد الأسر المستفيدة المؤهلة بالإضافة إلى الاستهداف الفئوي لتحديد أولويات الفئات الضعيفة اجتماعيًا.



ويقوم برنامج الأغذية العالمي (WFP) بدعم عنصر المساعدة الغذائية في البرنامج الوطني لاستهداف الفقر عبر البطاقات الإلكترونية التي يمكن استخدامها في أكثر من 400 متجر متعاقد مع برنامج الأغذية العالمي لشراء المواد الغذائية. ويتمثل دور البرنامج الأساسي في إبعاد العائلات اللبنانية عن الجوع في ظل رفع الدعم عن السلع الأساسية مع تفاقم الوضع الاقتصادي دون حلول واضحة في الأفق.



وفي العام 2022، أعلنت الحكومة اللبنانية عن بدء التحويلات النقدية إلى 150 ألف أسرة لبنانية شديدة الفقر، الذي سيطال 680000 شخصًا من خلال تحويل شهري بقيمة 20 دولارًا أمريكيًا لكل فرد من أفراد الأسرة (بحد أقصى 6 أفراد لكل أسرة)، بالإضافة إلى مبلغ ثابت قدره 20 دولارًا أمريكيًا لكل أسرة. كما سيغطي التكاليف المباشرة لتعليم 87000 طفل تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا لمنع التسرب المدرسي بين الأسر الضعيفة للغاية.



وأخيرًا، هناك بعض التقدّم في مقترح تطوير سجل اجتماعي وطني متكامل يمكن لبنان من معالجة الصدمات المستقبلية بسرعة وشفافية وإنصاف، ويخلق تناسقًا بين برامج الحماية الاجتماعية كافة ويقلل من الازدواجية، وقد يساعد أيضًا في توحيد عمليات التنفيذ وتقليل تكلفة تقديم الخدمة ورفع مستوى أداء البرنامج.



الأزمة هي فرصة للتفكير بشكل جماعي وجامعي في قيم بناء الدولة وبناء مؤسساتها.



أولغا جبيلي