Jul 04, 2022
الأنظمة الصحية و سياقات الحروب المتغيرة في المنطقة العربية - د. داليا حزام

الأنظمة الصحية و سياقات الحروب المتغيرة في المنطقة العربية - د. داليا حزام


في الوقت الذي اطلقت فيه منظمة الصحة العالمية اجندتها لأهداف التنمية المستدامة (2015-2030) بقصد الوصول إلى التغطية الصحية الشاملة - من خلال رصد نظم عدم المساواة في الصحة بين الدول أو على مستوى الدولة (SDG3)- عانت الأنظمة الصحية في الدول التي شهدت ولازالت تشهد توتّرات سياسية واضطرابات اقتصادية من محدودية الموارد الطبية وغير الطبية، ونقص في الطاقم الطبي المدرب، ونقص في عدد المنشأت الصحية التي تعمل بشكل كامل، مما يعرض الأرواح للخطر. بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية لنظم المعلومات والذي يجعل من تبادل المعلومات بين المؤسسات الصحية بطيئاً ولا يتسم بالدقة. 



إن الطبيعة المتغيرة للحروب تتسبب في خسائر فادحة بين صفوف المدنيين، كما تؤدي إلى النزوح القسري للسكان، مما يُشكل ضغطاً كبيراً على المناطق الحضرية. يمكن أن تؤدي الأزمات الإنسانية إلى تغيير سريع في الاحتياجات الصحية للسكان، لا سيما بين الفئات الأكثر هشاشة بما في ذلك النساء وحديثي الولادة والأطفال والمراهقين وكبار السن. وفي الغالب تكون الاستجابة الطبية والإنسانية لهذه الاحتياجات غير كافية في الدول التي تعاني من تدهور كفاءة المؤسسات والجهات الصحية الفاعلة. قد تؤدي الأزمات الإنسانية إلى وضع معقد يتطلب تدخلات مختلفة قائمة على الأدلة. مع ذلك، فإن استخدام مثل هذه التدخلات محدود في الأماكن المتضررة من الحروب والنزاعات السياسية.



لقد أدرك العالم في زمن جائحة كوفيد-19؛ أن للحروب سياقات وطبيعة متغيرة بفعل التقدم والعولمة. كما كشفت جائحة كوفيد-19 عن الاختلالات في الأنظمة الصحية العامة على مستوى العالم. حيث شهدت افضل الأنظمة الصحية وأكثرها تقدماً ضغوضاً كبيرة في الإدارة جسده تراجع الاستجابة العاجلة للحالات المصابة. كما طرأ تعليق للعديد من الخدمات الروتينية. بينما واجهت الأنظمة الصحية المنهارة فعلياً  بسبب الحروب والصراعات الداخلية تحديات لا مثيل لها في ظل هذه الجائحة.



قوانين الحرب بشأن الرعاية الصحية:


تنص اتفاقية جنيف بشكل صريح أنه يجب احترام وحماية العاملين في المجال الطبي العسكري والمدني في جميع الظروف. وبالتالي، فإن أي هجمات متعمدة ضد العاملين في مجال الرعاية أواستهداف المنشآت الصحية تُعتبر جريمة حرب. لكن غالباً ما تتعرض مُنشآت الرعاية الصحية الحكومية وغير الحكومية إلى الهجمات المسلحة في العالم العربي، حيث أشارت منظمة أطباء بلا حدود إلى أن الهجمات المدمرة على المرافق الصحية الحكومية والتابعة لها  ومقدمي الرعاية فيها  في دول الصراع مثل سوريا واليمن بمثابة الدافع الكامن وراء إصدار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2286 في مايو/أيار2016 ]2،1[.



في اليمن، يوثق تحقيق جديد قامت به منظمة مواطنة لحقوق الإنسان ومنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان (PHR) مفاده: أن 120 مرفقاً صحياً والعاملين الصحيين فيه قد تعرضوا لهجمات عنيفة - منذ مارس/ آذار 2015 وحتى ديسمبر/ كانون الأول 2018- من قِبل الأطراف المتحاربة، وتشمل التحالف بقيادة السعودية والإمارات، والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وقوات جماعة أنصار الله المسلحة (الحوثيين). أدت هذه الهجمات إلى تدمير النظام الصحي في اليمن ومقتل ما لا يقل عن 96 مدنياً وعاملاً صحياً، من بينهم 10 أطفال، وجرح 230 آخرين، من بينهم 28 طفلاً [3]. كما تُشير التقارير بأن حوالي 50% فقط من المنشآت الصحية في اليمن تعمل بكامل طاقتها، وحتى هذه المرافق تواجه نقصاً حاداً في الكوادر الصحية المؤهلة، وفي الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية]4[.



ولا يختلف الوضع في سوريا؛ ففي تقرير صادر عن لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) والذي يكشف فيه عن الآثار المدمرة للهجمات الممنهجة على المنشآت الصحية والعاملين في مجال الرعاية. أشار التقرير إلى أن 77% منهم شهد ما يقارب أربع هجمات على منشآت الرعاية الصحية خلال سنوات الحرب[5]. كما رصدت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان 595 هجوماً على 350 منشأة صحية في سوريا منذ عام 2011 ومقتل 55% من العاملين في القطاع الصحي. الأمر الذي تسبب في انخفاض تقديم خدمات الرعاية الصحية إلى النصف من العدد الإجمالي للمرافق الصحية في سوريا[6]. 



مؤشرات الصحة العامة في دول الصراع:

 

يمكن للبلدان إنتاج بيانات منتظمة عن جميع الفئات السكانية المحرومة لجميع المؤشرات ذات الصلة من خلال الدمج الكامل لرصد عدم المساواة الصحية في أنظمة المعلومات الصحية الوطنية. بيد أنه لا يزال تبادل المعلومات بين المؤسسات الصحية على المستوى العالمي بطيئاً وغير فعال. غالباً ما تفتقر البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل إلى تكامل كافٍ لرصد عدم المساواة الصحية في نظم المعلومات الصحية الخاصة بها، ومع ذلك، قامت بعض البلدان متوسطة الدخل بإضفاء الطابع المؤسسي على رصد عدم المساواة الصحية المنتظم في بعض المواضيع الصحية كالتحصين وتنظيم الأسرة. 



يُشير تقرير البنك الدولي إلى انعدام وجود تغطية كافية لمرافق الرعاية الصحية والموظفين المتخصصين والإمدادات الطبية الأساسية والتمويل الصحي في مناطق الصراع ومنها اليمن. كما أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن 63% من السكان في سوريا لا يستطيعون الوصول إلى الخدمات الصحية، وأن عدم قدرتهم على الدفع مقابل الخدمة كان السبب الرئيس، بينما أشار اخرون إلى أن بعض الخدمات الصحية الخاصة غير متوفرة] 7]. وبحسب اليونيسف: فإن 1,100,000 طفل و 2,500,000 من السكان بحاجة لمساعدة إنسانية في العراق [8]. 



يواجه أكثر من 80٪ من السكان في اليمن تحديات كبيرة في الوصول إلى الغذاء ومياه الشرب وفي الحصول على خدمات الرعاية الصحية [9]. علاوة على ذلك، أدى الصراع إلى ارتفاع مستويات سوء التغذية بين الأطفال مادون الخامسة سوء التغذية الحاد المتوسط (2.2 مليون طفل) و سوء التغذية الحاد الوخيم (538.000 طفل). كما انخفضت معدلات التحصين وارتفع معدل تفشي الأمراض المعدية [10]. وتشير أحدث التقديرات إلى وفاة  أم  وستة مواليد كل ساعتين. بالإضافة إلى ذلك، أثْر النزاع أيضاً بشكل مباشر على صحة السكان، ويقدرالآن بأنه السبب الرئيس الثالث للوفاة في اليمن، بعد أمراض القلب الإقفارية واضطرابات الأطفال حديثي الولادة [9].



آلية الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في دول الصراع: 


أن انخفاض التمويل الخارجي للصحة، بالإضافة إلى تحديات غير مسبوقة مثل جائجة كوفيد-19، يثيرحالة من عدم اليقين بشأن مستقبل الخدمات الصحية في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. مثلاً: يعتمد النظام الصحي في دول النزاع بشكل كبيرعلى التمويل الخارجي، ويتم تقديم الخدمات الصحية بشكل أساسي من خلال المنظمات المنفذة، مع وجود نظام صحي هش يعتمد على شركاء التنمية الذين ينفذون برامج صحية عمودية. وكما أشارت احدى المبحوثات (health leader) في دراسة قامت بإجرائها إلى أن أغلب البرامج التي يتم تقديمها من قِبل المنظمات الشريكة هى في الأساس برامج تخدم اجندتها الخاصة ولا تتماشى مع الاحتياجات او سياق الخطط الوطنية.] 11[



وتدعم الحكومات عدد معتبر من الموارد والمبادرات من أجل توسيع نطاق البنية التحتية الوطنية لجمع البيانات. على سبيل المثال، يدعم مرفق التمويل العالمي تعزيز سجل الإبلاغ عن الانتهاكات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، بما يتماشى مع الأولويات الوطنية والخطط الاستراتيجية التي وضعتها مجموعة البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية. في البلدان التي تفتقر فيها أنظمة المعلومات الصحية إلى مصادر البيانات لرصد عدم المساواة الصحية، تعد المسوح الصحية القائمة على السكان مصدراً شائعاً للبيانات، مثل المسوح الديموغرافية والصحية التي تمولها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والمسوحات العنقودية المتعددة المؤشرات (MICS) التي تمولها اليونيسف، وهي عبارة عن استبيانات تمثيلية على الصعيد الوطني تتكون من وحدات تركز على موضوعات صحية محددة. كما يمكن تتبع آلية الاستجابة للاحتياجات الإنسانية وتشمل الصحة (Health Cluster) عبر خطة الإستجابة الإنسانية (HRP) والتي تستند على النظرة العامة للاحتياجات الإنسانية (HNO) وهذا بالتنسيق مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) والتي تعمل بحيادية مع جميع الأطراف في دول الصراع والنزاعات السياسية. 



د. داليا حزام



المصادر: 

1. استهداف الرعاية الطبية تحت المجهر"عندما تتحوّل الرعاية الطبية إلى هدف للهجمات"، أطباء بلا حدود.

2. الأمم المتحدة، "مجلس الأمن يعتمد قرارا يدين الهجمات والتهديدات على العاملين في المجال الطبي والإنساني"،3 آيار/ مايو 2016.

3.منظمة مواطنة لحقوق الإنسان وأطباء من أجل حقوق الإنسان،"الأطراف المتحاربة في اليمن تعتدي على ما لا يقل عن 120 مرفقاً صحياً والعاملين فيها"،18 مارس/ آذار 2020.

4. البنك الدولي،"مشروع التصدي لجائحة كورونا (كوفيد-19 ) في اليمن (P173862)"، 21 مارس/آذار2020، https://documents1.worldbank.org/curated/en/297611588866435780/pdf/Project-Information-Document-Yemen-COVID-19-Response-Project-P173862.pdf

5. لجنة الإنقاذ الدولية،"عقد من الهجمات على قطاع الرعاية الصحية في سوريا"، 3 مارس/آذار2021،  https://www.rescue.org/sites/default/files/document/5648/adecadeofdestructionattacksonhealthcareinsyria.pdf

6. منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، "عقد من الموت والدمار والإنكار"، https://phr.org/our-work/resources/syria-ten-years/?lang=ar

7. نظرة على الوضع الإنساني في سوريا (HSOS)، إبريل/2022،Humanitarian Situation Overview of Syria (HSOS) (reach-info.org)

8.اليونيسف، "تقرير الوضع الإنساني في العراق"، 1 يناير-31 مارس2022، 

‏https://reliefweb.int/report/iraq/unicef-iraq-humanitarian-situation-report-no-1-1-january-31-march-2022

9. برنامج الغذاء العالمي، Yemen Emergency Dashboard""، مايو 2022، https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-emergency-dashboard-may-2022

10. البنك الدولي، قطاع الصحة في اليمن - مذكرة سياسة، إبريل 2021 

‏11. Hyzam, D., Zou, M., Boah, M. et al. Health information and health-seeking behaviour in Yemen: perspectives of health leaders, midwives and mothers in two rural areas of Yemen. BMC Pregnancy Childbirth 20, 404 (2020). https://doi.org/10.1186/s12884-020-03101-9