الاقتصاد الجغرافي، والتفكك، والتباين: ماذا علّمنا عام 2025 عن حال الاقتصاد العالمي - خليل جبارة
الاقتصاد الجغرافي، والتفكك، والتباين: ماذا علّمنا عام 2025 عن حال الاقتصاد العالمي
مقدمة: العالم في عام 2025
بحلول نهاية عام 2025، بات واضحًا أن الاقتصاد العالمي لم يكن بصدد التعافي من سلسلة الصدمات المتلاحقة فحسب ، بل كان يعيد تنظيم نفسه حول منطق مغاير. فقد تعرّضت الفرضيات التي قامت عليها لحظة «نهاية التاريخ» (التجارة المفتوحة، العولمة المتزايدة العمق، توسيع المساعدات الانمائية، النظام المتعدد الأطراف التكنوقراطي ) لضغوط متواصلة ومتراكمة. وقد عزّز عام 2025 أربعة تحوّلات هيكلية أساسية:
نقاط أساسية
| ● | عودة الاقتصاد الجغرافي بصفته المبدأ التنظيمي الاساسي للعلاقات الاقتصادية الدولية، حيث باتت التجارة والتكنولوجيا والتمويل تخضع بصورة متزايدة للتنافس الجيوسياسي (صندوق النقد الدولي 2025أ، 1–4). |
| ● | التفكيك الهادئ لبنية التنمية التي اعقبت الحرب الباردة، في ظل تقلّص ملحوظ في حجم المساعدات، وتصلب شروط منحها، الى جانب مواجهة الوكالات المتعددة الأطراف لقيود تمويلية وسياسية متزايدة (البنك الدولي 2025أ، 5–8). |
| ● | مرحلة جديدة من التطور التكنولوجي، اذ ظلّ الذكاء الاصطناعي مصدرًا رئيسيًا محتملا لتحقيق مكاسب انتاجية كبرى، غير انه في الوقت ذاته أثار تساؤلات جوهرية لم تحسم بعد تتعلق بالتوظيف، والتوزيع، والاستعداد الوطني لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي (البنك الدولي 2025ب؛ صندوق النقد الدولي 2025أ، 15–17؛ البنك الدولي 2025ج). |
| ● | تعمّق حدة التباين داخل المنطقة العربية، حيث واصلت اقتصادات دول الخليج تعزيزموقعها كمراكز رقمية متكاملة مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، في حين انزلقت بلدان مثل لبنان وسوريا نحو أزمات متفاقمة طالت إدارة المالية العامة، والحَوْكَمة، وإعادة الإعمار (البنك الدولي 2025أ؛ خطاب 2025؛ التميمي 2025). |
الصمود الاقتصادي الكلي في خضم الاضطراب
لم تكن السردية الاقتصادية الكلية العالمية التي رسمت ملامح عام 2025 قائمة على الركود، بل كانت قائمة على الصمود تحت وطأة الضغوط المتراكمة. وفي عام 2025، وعلى الرغم من حالة عدم اليقين السياسي المرتفعة، والارتفاع الحاد في الرسوم الجمركية، والصراعات السياسية المحتدمة في كبرى الاقتصادات العالمية، فقد سجّل النمو الاقتصادي العالمي معدلاً بلغ 3.2%، مقارنةً بـ 3.3% خلال عام 2024( صندوق النقد الدولي 2025أ، الصفحات ix–x؛ البنك الدولي 2025أ، الصفحات 5–6) بيد أن هذا الاستقرار الظاهري كان يخفي وراءه في الوقت ذاته إعادة تسييس التجارة على نطاق عميق؛ إذ باتت السياسة التجارية تُوظَّف صراحةً في خدمة الأهداف الجيوسياسية والصناعية، بدلاً من السعي الحقيقي نحو توسيع دائرة الرفاه الاقتصادي العامّ.
وفي هذا السياق، غدا الاقتصاد الجغرافي— اي التوظيف الاستراتيجي للأدوات الاقتصادية لخدمة غايات جيوسياسية — الإطار المهيمن. ولم يختف النظام القائم على القواعد، لكنه اصبح أكثر مشروطية واشد ميلا الى الترتيبات الثنائية.
بالنسبة الى الاقتصادات العربية المصدّرة للنفط، كان عام 2025 عاماً من الاستقرار المُدار والمحكم. إذ بلغ متوسط سعر خام برنت نحو 69 دولاراً للبرميل خلال ذلك العام، منخفضاً عن نحو 80 دولاراً في عام 2024، وذلك مع توسع تحالف أوبك+ في الامدادات من خلال التفكيك التدريجي لتخفيضات الانتاج الطوعية التي فُرضت سابقاً، في حين ظلت الامدادات من خارج إطار أوبك متينة وقوية (البنك الدولي 2025أ، الصفحات 6–8؛ التميمي 2025). الدلالة الاستراتيجية في هذا السياق واضحة وجليّة: فصمود دول الخليج خلال عام 2025 كان ثمرة إدارة اقتصادية كلية رشيدة وحكيمة، مقترنة بتسارع وتيرة التنويع الهيكلي، غير أن أوضاعها المالية والخارجية تبقى رهينة وحساسة لتقلبات أسعار النفط ولسياسات الطاقة العالمية .
تحوّلات مشهد المساعدات وتعددية الأطراف
أفضت جائحة كوفيد-19 وموجة تداعياتها المتلاحقة إلى توسعات مالية غير مسبوقة في الاقتصادات المتقدمة. وبحلول عام 2025، كان العديد من هذه الدول يتصارع مع أعباء الدين العامّ المرتفعة، وتصاعد التزامات سداد الفوائد ، والقيود السياسية الداخلية المتزايدة، بما فيها صعود تيارات الأحزاب الشعبوية المعادية لتقديم المساعدات الخارجية (البنك الدولي 2025أ، الصفحات 5–8). وكانت النتيجة لذلك على الجنوب العالمي، ولا سيما على الدول الهشة والمتاثرة بالنزاعات في المنطقة العربية، تشدّدا هيكليا ملموسا في حجم التمويل الميسّر.
لقد وثّق تحديث البنك الدولي لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا الصادر في أكتوبر 2025 ارتفاعاً معتدلاً في معدلات الفقر من 7.4% إلى 8.4% عند خط الفقر البالغ 3.0 دولار (تعادل القوة الشرائية لعام 2021)، وذلك بين عامَي 2018 و2023، وذلك خلافا للاتجاه العالمي الذي شهد تراجعا في الفقرعند مستويات مماثلة (البنك الدولي 2025أ، الصفحات 13–15). وقد تركز معظم هذا التدهور في الاقتصادات المتضررة من النزاعات والصراعات، (كاليمن وسوريا وأجزاء من السودان وقطاع غزة)، وعكس مزيجا من الصراع والتضخم والقيود المفروضة على تدفق المساعدات (البنك الدولي 2025أ، الصفحات 15 و22–24).
ويشكل كلٌّ من لبنان وسوريا نموذجاً حيّاً لذلك. فاحتياجات لبنان الإنسانية واعادة الاعمارلا تزال كبيرة، غير أن إرهاق الجهات المانحة وفقدان ثقتها بالحوكمة الوطنية قد حدّا من حجم الالتزامات الجديدة بشكل حاد (خطاب 2025؛ البنك الدولي 2025أ، الصفحات 22–24). أما سوريا، التي شهدت إقصاء نظام الأسد في أواخر عام 2024، فهي تواجه احتياجات إعادة اعمار تُقدّر بنحو 216 مليار دولار، غير أن السؤال الجوهري المتعلق بالجهة التي ستتحمّل العبء المالي الأكبر بقي دون إجابة حاسمة طوال عام 2025 (البنك الدولي 2025أ، الصفحات 22–24).
لقد اظهر النظام المتعدد الأطراف بحد ذاته مؤشرات واضحة من الضغط والإرهاق والضغط ؛ إذ واجهت الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة قيوداً مالية متزايدة، وتسييسا متناميا لبعض ولاياتها الاساسية. كما أصدرت الوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة العاملة في المنطقة تحذيرات متكررة حول العجز الحاد في التمويل اللازم لتغطية العمليات الإنسانية الأساسية في كلٍّ من اليمن وغزة والسودان وسوريا (البنك الدولي 2025أ، الصفحات 22–24؛ منظمة الأمم المتحدة المعنية بالأحوال الجوية 2025، الصفحات 2–4).
ان ما ميّزعام 2025 عن المراحل السابقة لم يكن حجم الموارد المتاحة فحسب، بل هو تآكل الافتراض الراسخ القائل بأن المؤسسات المتعددة الأطراف ستحشد وتضخّ الموارد الكافية استجابةً لأي أزمة تطرأ. وبالنسبة للدول ذات الدخل المحدود والهشة والمتاثرة بالنزاعات في المنطقة العربية، فإن انعكاسات ذلك على مسار عام 2026 بات واضحاً وجليّاً؛ ففي غياب أي صدمة إيجابية حقيقية تعيد تحفيز شهية المانحين، فإن حجم التعبئة المحلية للموارد، والإصلاح في الحوكمة، والترتيبات المالية الإقليمية المنسّقة ستكون في نهاية المطاف العوامل الحاسمة التي تحدد ما إذا كانت الأهداف الإنماية والإنسانية الأساسية ستبقى قابلة للبلوغ والتحقيق.
الذكاء الاصطناعي ، الديموغرافيا ،وسوق العمل
شهد عام 2025 انتقال الأدبيات التجريبية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من الطروحات الافتراضية والتمارين التخمينية، الى أدلة ميدانية واقعية. وتشير التوقعات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يُسهم في زيادة تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 1.5 و3.0% على مدى العقد القادم، غير أن ذلك سيكون مصحوباً بزعزعة انتقالية ملموسة تطال قطاعات واسعة (البنك الدولي 2025ج، الصفحات 64–66؛ صندوق النقد الدولي 2025أ، الصفحات 16–17).
وإن كان انكشاف المنطقة العربية على الأتمتة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي جوهرياً، فإنه في الوقت ذاته متفاوت ومتباين بحسب طبيعة كل اقتصاد. فقد قدّرت الدراسة الرئيسية للبنك الدولي حول الاتجاهات العالمية الكبرى أن نحو 45% من أنشطة العمل الحالية في عدد من الدول العربية المختارة (بما فيها مصر والبحرين والكويت وعُمان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة) قد تخضع للأتمتة باستخدام التكنولوجيا القائمة والمتاحة حاليا، وأن القطاعات الأكثر تعرّضاً لهذا الخطر هي تلك التي تعتمد اعتماداً كبيراً على المهام الروتينية والنمطية (البنك الدولي 2025ب، الصفحات 21–22؛ 63–68). غير أن التقرير نفسه يُشدّد على أن البنية الاقتصادية الراهنة في المنطقة، التي تتسم بارتفاع معدلات العمل غير الرسمي وانخفاض إنتاجية القطاعات الخدمية، تجعلها أقل انكشافاً أمام الذكاء الاصطناعي المتطور مقارنةً بالاقتصادات المتقدمة، مما يرفع خطر تفويت مكاسب الإنتاجية التي يُتيحها الذكاء الاصطناعي (البنك الدولي 2025ب، الصفحات 21–23).
وقد وضع التحديث الاقتصادي لمنطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 )MENAAP) هذه المعطيات كلها في اطار ديموغرافي أوسع وأعمق. اذ يتوقع أن يتزايد عدد السكان في سن العمل في المنطقة بنحو 220 مليون شخص بين عامَي 2025 و2050، أي ارتفاعاً نسبياً يبلغ حوالي 40% (البنك الدولي 2025أ، الصفحات 26–28). وفي غياب تسارع كبير في وتيرة خلق فرص العمل، ولا سيما للنساء فإن المنطقة ستواجه تحدياً مركّباً ومعقّداً: يتمثّل في استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، في حين يتصارع العمال في وظائفهم الحالية مع تراجع ملاءمة مهاراتهم وإعادة تشكيل المهام والوظائف المنوطة بهم (البنك الدولي 2025أ، الصفحات 26–28؛ 36–41).
على صعيد المنطقة العربية، تبقى نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل قريبة من 20%، وهي النسبة الأدنى على المستوى العالمي. فيما تفرض الأعراف الاجتماعية والقيود القانونية، فضلاً عن شُح خدمات رعاية الاطفال والنقل الآمن والكافي، قيودا حادّة على قدرة المرأة على المشاركة والانخراط في سوق عمل بات مُعزّزاً بالذكاء الاصطناعي (البنك الدولي 2025أ، الصفحات 26–36).
بعبارة اخرى، فإن القيد الحقيقي والأكثر إلزاما امام النمو الطويل الأمد ،في معظم بلدان المنطقة العربية خلال عام 2026 وما بعده ،لا يتمثل في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في الإخفاق في تعبئة رأس المال البشري وتحويله نحو أنشطة إنتاجية مكمّلة لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
العملات والسلع والمعضلات السياسية
ادّت العوامل الجيوسياسية، والضغوط السياسية التي أسهمت في إضعاف استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، واستمرار التهديد بتوظيف الرسوم الجمركية كسلاح اقتصادي، الى فرض ضغوط متزايدة على الدولار الأمريكي، وتسريع تآكل ميزته النسبية الأساسية بوصفه أصلاً استراتيجياً. وقد شهد الذهب ارتفاعاً حاداً في قيمته بلغ مستويات تاريخية غير مسبوقة؛ إذ يُقدّر أنه منذ عام 1979، فقد الدولار الأمريكي أكثر من 90% من قيمته مقابل الذهب. كما واصلت البنوك المركزية عمليات الشراء الصافية للذهب، وذلك انعكاساً لهواجس متنامية إزاء مخاطر العقوبات، وتسليح الدولار، والتضخم على المدى الطويل (البنك الدولي 2025أ، الصفحات 6–8؛ صندوق النقد الدولي 2025أ، الصفحات 11–12).
وبالنسبة للاقتصادات العربية المربوطة بالدولار الأمريكي، فقد كشف عام 2025 عن كيفية انتقال قرارات اسعار الفائدة الأمريكية ومستويات التضخم في الولايات المتحدة، مباشرة إلى الأوضاع الاقتصادية المحلية، مما يُضيّق هوامش السياسة النقدية، ويُضخّم حجم التضخم المستورد. وتبقى التساؤلات الاستراتيجية المحورية المطروحة لعام 2026 تتمحور حول متانة استراتيجيات ربط العملات، وتكوين الاحتياطيات، والأطر النقدية الوطنية في الاقتصادات العربية وقدرتها على التعامل مع تقلبات أسعار الفائدة العالمية، وأسعار السلع، والتضخم المستورد والصدمات الجيوسياسية.
ادّت العوامل الجيوسياسية، والضغوط السياسية التي أسهمت في إضعاف استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، واستمرار التهديد بتوظيف الرسوم الجمركية كسلاح اقتصادي، الى فرض ضغوط متزايدة على الدولار الأمريكي، وتسريع تآكل ميزته النسبية الأساسية بوصفه أصلاً استراتيجياً. وقد شهد الذهب ارتفاعاً حاداً في قيمته بلغ مستويات تاريخية غير مسبوقة؛ إذ يُقدّر أنه منذ عام 1979، فقد الدولار الأمريكي أكثر من 90% من قيمته مقابل الذهب. كما واصلت البنوك المركزية عمليات الشراء الصافية للذهب، وذلك انعكاساً لهواجس متنامية إزاء مخاطر العقوبات، وتسليح الدولار، والتضخم على المدى الطويل (البنك الدولي 2025أ، الصفحات 6–8؛ صندوق النقد الدولي 2025أ، الصفحات 11–12).
أزمة المناخ: من الهامش إلى الصدارة
وعلى الرغم من تراجع اولوية ملف المناخ في سياسات الجهات المانحة خلال عام 2025، فإن ذلك لا يغيّر حقيقة أن المنطقة العربية تواجه تهديداً بنيوياً، ناجماً عن معدل ارتفاع درجات الحرارة البالغ 0.43 درجة مئوية في كل عقد زمني، وهو ما يعادل تقريباً ضعفي المعدل العالمي السائد (المنظمة العالمية للارصاد الجوية 2025، الصفحات 7–9). كما يؤدي هذا الارتفاع المتسارع في درجات الحرارة الى تفاقم أزمة شُح المياه في منطقة تضم خمسة عشر دولة من أصل عشرين دولة الأكثر شحاً في المياه على مستوى العالم، حيث ان نحو 66% من مواردها المائية تمتد عبر حدود دولية، مما يزيد من تعقيد معادلات الاستقرار الإقليمي (المنظمة العالمية للارصاد الجوية 2025، الصفحة 5).
وفي عام 2024، طالت الكوارث المناخية ما يُقدّر بنحو 3.77 مليون شخص، وتوزّعت تداعياتها بين موجة جفاف حادّة استمرت على مدى ست سنوات متتالية في شمال غرب أفريقيا، وفيضانات استثنائية غير مسبوقة، دمّرت ما يقارب أربعة ملايين هكتار إجمالاً، من بينها 1.7 مليون هكتار من الأراضي الزراعية (المنظمة العالمية للارصاد الجوية 2025، الصفحات 11–13). واضافة الى ذلك، ترتفع مستويات البحر في البحر الأحمر بنحو 4.1 مليمتر سنوياً، وهو ما يتجاوز بفارق كبير المعدل العالمي السائد والمعتاد (المنظمة العالمية للارصاد الجوية 2025، الصفحات 10–11). وتتفاقم هذه المخاطر الفيزيائية بفعل التقليل من تقدير كلفتها الاقتصادية، إذ غالبا ما تخفق تقارير الكوارث في استيعاب النطاق الكامل والحقيقي للخسائر غير الاقتصادية، كالنزوح البشري، وتدهور الخدمات الأساسية (المنظمة العالمية للارصاد الجوية 2025، الصفحات 16–18).
وفي هذا السياق، يعتبر عام 2026 عاماً محورياً فاصلاً، تنتقل فيه سياسات التكيّف والتعامل مع المخاطر المناخية، من مجرد مشاريع هامشية وهشة لتصبح في صلب السياسات الاقتصادية، مع إدراج مخاطر التغير المناخي بالكامل في التخطيط المالي، والاستثمار في البنية التحتية، وانظمة الحماية الاجتماعية (المنظمة العالمية 2025للارصاد الجوية، الصفحات 16–18)
لبنان وسوريا: تشريح الأزمة
بحلول عام 2025، لم تعد أزمة لبنان مجرد تراجع دوري، بل تحولت الى انهيار بنيوي في منظومة الحوكمة المالية والنقدية المتشابكة. فقد كشف مؤتمر "بيروت الأول"، الذي عقد في شهر نوفمبر 2025، عن الشك والتحفظ الدوليين المتزايديين. اذ اوضحت الجهات المانحة والمستثمرون، وبصورة لا لبس فيها، أنه دون اعتراف صادق وموثوق بحجم الخسائر، وإصلاحات جذرية في منظومة الحوكمة، وإنشاء قضاء مستقل وممكّن، فإن تدفقات رأس المال الكبيرة والدعم الدولي للإعادة إلاعمار لن تتحقق (خطّاب 2025). كما شكل عام 2025 فرصة أخرى ضائعة للانتقال من إدارة الانهيار بألاساليب الظرفية، الى الاعتراف الشفاف بحجم الخسائر المالية وتوزيعها بصورة عادلة وواضحة. ولم تناقش الحكومة ولم تصادق على مسودة مشروع " قانون الفجوة المالية" حتى السابع والعشرون من شهر كانون الأول 2025. وكان من المفروض ان يؤدي هذا القانون دوراً تفاوضياً حيوياً ويجسّد حلاً وسطاً بين المودعين وصندوق النقد الدولي والمصارف التجارية، غير أنه في نهاية المطاف عجز عن إرضاء أي من هؤلاء الأطراف. اذ افتقرت هذه المسودة القانونية إلى ارقام دقيقة وموثوقة، ولم تُوضح بصورة كافية آليات إعادة احياء المصارف التجارية، ولا كيفية تمويل الدولة حصتها من الخسائر المالية، ولا مسار إعادة رسملة البنك المركزي.
وبالنسبة لعام 2026، فإن القيد الأساسي الذي يعترض مسيرة الإصلاح يكمن في غياب الإرادة السياسية للاعتراف بحجم الخسائر وإعادة هيكلة المؤسسات ، وليس في شُح التمويل الخارجي بحد ذاته. فدون ذلك، ستبقى البلاد حبيسة اقتصاد نقدي وقطاع مصارف تجارية معطل وغير فاعل، وحالة مزمنة من عدم الثقة التي تُثبّط وتُنفّر كل شكل من أشكال الاستثمار الخارجي.
بالنسبة إلى سوريا، يتمثّل التحدّي في عام 2026 في الانتقال من مجرّد إطلاق التصريحات الصحيحة إلى إطلاق برنامج إعادة إعمار ملموس يمكن أن يسهّل عودة النازحين داخليًا واللاجئين من الدول المجاورة. إنّ إعادة الإعمار المادية هذه، التي تتطلّب أكثر من 216 مليار دولار، لا يمكن أن تعتمد حصريًا على الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) أو على تحويل البنية الاقتصادية للبلاد نحو اقتصاد قائم بالكامل على القطاع الخاص. فهي تتطلّب تمويلًا كبيرًا من الجهات المانحة، لأن الهدف هو إعادة بناء البلاد ككل، وليس فقط قطاعاتها القادرة على المنافسة اقتصاديًا. وفي الوقت نفسه، يجب أن يرتكز أيّ مخطط اقتصادي على استراتيجية حماية اجتماعية ملائمة لمكافحة الفقر وضمان أن يكون التحوّل الاقتصادي تحوّلًا شاملًا، لا مجرّد تحوّل هيكلي.
الخاتمة
واخيرا، فقد كشف عام 2025 ان الاقتصاد الجغرافي، الذكاء الاصطناعي، والضغوط المناخية إنما هي تحولات بنيوية وليست دورية. بالنسبة لبعض الدول، يفتح هذا الواقع المجال امام فرص ومسؤوليات في الوقت ذاته، تتمثل في توظيف تفوقها المالي والتكنولوجي بما يدعم الاستقرار الاقليمي وتعزيزه. أما بالنسبة للبنان وسوريا ودول اخرى، فلا ينبغي ان يكون عام 2026 مجرد عام آخر من المراوحة والتسيّر في فراغ؛ فدون خطوات ملموسة على صعيد الحوكمة ،وتسوية الازمة المالية الشاملة، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية الفعّالة، فإن هذه الدول تواجه خطر الانزلاق من أزمات مزمنة إلى حالة ركود دائمة.
المراجع
- التميمي، أحمد زيد. (24 كانون الأول/ديسمبر 2025). التنويع والنمو: أداء اقتصادات الخليج في عام 2025. المجلة.
- صندوق النقد الدولي. (2025أ). آفاق الاقتصاد الإقليمي: الشرق الأوسط وآسيا الوسطى—الصمود وسط أجواء عدم اليقين: هل يدوم؟. صندوق النقد الدولي.
- صندوق النقد الدولي. (2025ب). تعزيز التعافي الاقتصادي بعد الصراعات: الأنماط والسياسات. ضمن: آفاق الاقتصاد الإقليمي: الشرق الأوسط وآسيا الوسطى—الصمود وسط أجواء عدم اليقين: هل يدوم؟ (ص ص. 26–41). صندوق النقد الدولي.
- خطّاب، أحمد. (22 كانون الأول/ديسمبر 2025). الأزمة والنجاح: كيف كان أداء الاقتصادات العربية في عام 2025. المجلة.