Sep 28, 2022
اثر التطورات الاقليمية والدولية على القضية الفلسطينية‪ ‬- زياد عبد الصمد
زياد عبد الصمد
المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
زياد عبد الصمد

اثر التطورات الاقليمية والدولية على القضية الفلسطينية‪ ‬- زياد عبد الصمد

‪ ‬

‪ ‬

مداخلة في ذكرى صبرا وشاتيلا خلال لقاء الوفد الايطالي من لجنة "كي لا ننسى صبرا وشاتيلا" والوفود الاوروبية باباضافة الى وفد برنامج ‪AMED‬ وتدريس فلسطين (13 أيلول 2022)

‪ ‬

‪ ‬

"أرحب بكم باسم شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية في لبنان في هذه الذكرى الأليمة والتي تمر في ظل ظروف صعبة ومعقدة، ان الشبكة هي إطار يجمع منظمات المجتمع المدني في 10 دول عربية بما في ذلك في فلسطين، وشريكينا الفلسطينيين الاساسيين هما شبكة المؤسسات الاهلية الفلسطينية، وفي بيروت هيئة تنسيق المؤسسات العاملة في الوسط الفلسطيني في لبنان، 

أهلا وسهلا بكم في بيروت

‪ ‬


التطورات الدولية والإقليمية وأثرها على القضية الفلسطينية

‪ ‬

تشهد المنطقة العربية تطورات خطيرة قد تتغير بنتيجتها كل العلاقات الجيوسياسية وموازين القوى فيها. هذه التطورات هي امتداد للصراع الدولي ولإعادة تقاسم النفوذ والأسواق العالمية، وكذلك الصراع على المنطقة بسبب موقعها الاستراتيجي من جهة وطمعا بمواردها الطبيعية، لاسيما النفط والغاز، من جهة اخرى. 

 


الانتفاضات الشعبية والرغبة الجامحة بالتغيير

‪ ‬

البداية كانت مع اندلاع "الربيع العربي" الذي انطلق على شكل انتفاضات شعبية غير مسبوقة مع بداية العقد الماضي (أواخر العام 2010) للمطالبة بالحريات العامة والعيش بكرامة، وسرعان ما تحول الى نكسات نتيجة تمسك أصحاب السلطة والنفوذ بمواقعهم وامتناعهم عن الانصياع لمطالب الناس المحقة، ولجوئهم الى العنف والقتل، ما أدى الى تفاقم النزاعات المسلحة في كل من سوريا وليبيا واليمن والى عودة الدكتاتوريات في مصر ومؤخرا في تونس، بعد التدابير والتعديلات الدستورية التي اتخذها قيس سعيد. 

 

 

تلا ذلك موجة ثانية من الانتفاضات (أواخر العام 2019) غيرت الواقع القائم، او كادت، لولا تمسك السلطة بمواقعها ورفضها الاستماع الى تطلعات شعوبها والانصياع الى مطالبها، مما جعل من نتائجها أكثر سلبية؛ ففي لبنان، الذي يشهد حاليا انهيارا اقتصاديا وماليا ومؤسساتيا غير مسبوق، يرفض تحالف القوى المذهبية فيه القيام بالخطوات الإصلاحية الجدية لإنقاذ البلاد من الانهيار الكامل والمحتم. وكذلك في العراق الذي وصل الى شفير الانفجار الأمني لولا الدعوة التي أطلقت للحوار الوطني الشائك والمعقد، نتيجة تعمد المليشيات تعطيل المؤسسات الدستورية وآليات الحكم. فتراجعت قوى التغيير الديمقراطي والحركات الشعبية وانكفأت بعد ان تم قمعها بأبشع الأدوات والوسائل من قبل القوى الرجعية والتطرف الديني التي احكمت قبضتها على السلطة على حساب الدولة المركزية. 

 

 

وكذلك الامر في السودان حيث بات الصراع مفتوحا بين الحراك الشعبي والمدني من جهة والقوات المسلحة مدعومة من دول عربية لا ترى مصلحة لها في قيام نظام ديمقراطي في السودان، اما في الجزائر فقد حسمت الدولة العميقة الصراع فأمسكت بزمام السلطة بإحكام، واعادت الأمور الى ما كانت عليه قبل الانتفاضة الشعبية لعام 2019.

 

 

هذه النكسات أتت نتيجة الدعم الذي تتلقاه القوى التقليدية من قبل الدولة العميقة، من أجهزة امنية وفلول الأنظمة البائدة وقوى التطرف الديني، للتشويش على القوى الديمقراطية الصاعدة ما أدى الى انحراف عملية التغيير والحراك المدني والشعبي عن مسارها الحقيقي والطبيعي والانزلاق نحو صراعات ونزاعات تضعفها وتحد من قدرتها على احداث التغيير المنشود.

 

 

الولايات المتحدة والتحدي الصيني

 

من أبرز عوامل التحول في المنطقة هو الرغبة الأميركية في الخروج منها والتوجه نحو اسيا و"الباسيفيك"، لمواجهة ما تعتبره التحدي الأساسي المتمثل بصعود التنين الصيني اقتصاديا وسياسيا وتحولها الى قوة عسكرية ما يهدد بالعودة الى نظام القطبين، الامر الذي لا تحبذه الولايات المتحدة بعدما ظلت تنفرد بقيادة العالم خلال العقدين الماضيين.

 

‪ ‬

تركت أميركا لحلفائها بعد انسحابها المتوقع من الشرق الاوسط حرية التصرف بأنفسهم للدفاع عن مصالحهم وبالتالي المحافظة على نفوذها في المنطقة من دون الاضطرار الى اللجوء الى القوة. الهدف هو المحافظة على الوضع القائم من دون تحولات جذرية لاسيما في العلاقات بين فلسطين وإسرائيل (لا سلام ولا حرب) مع الاهتمام بإنجاز مسار التطبيع بين إسرائيل والدول العربية الاخرى.‪ ‬

 

‪ ‬

أدى ذلك الى زيادة حدة التوتر بين القوى الصاعدة (أي روسيا والصين على الصعيد الدولي، تركيا وإيران على المستوى الاقليمي، هذا من جهة، والسعودية وشركائها من جهة أخرى). إسرائيل ليست محايدة في هذا الصراع بطبيعة الحال، لا بل هي معنية فيه ومنحازة لصالح المحور الثاني خصوصا بعد توتر العلاقات مع روسيا على أثر الحرب على أوكرانيا، كما أدى الى المزيد من النزاعات المسلحة والاستفزازات المتبادلة تحديدا في سوريا وفي اليمن وفي العراق وليبيا.

 

 

اذن فالمنطقة شهدت تحولات في علاقات القوة من جهة، وفي التحالفات من جهة اخرى وتشهد على توتر قد يؤدي الى المزيد من النزاعات والحروب 

 

 

الحرب في أوكرانيا

 

الحرب الروسية الأوكرانية، وبغض النظر عن دوافعها، الا انها جاءت ردة فعل روسية على مساعي حلف شمال الأطلسي التوسع نحو أوكرانيا، ومحاصرتها، ما قد يشكل تهديدا وجوديا لها ولمصالحها الحيوية والاستراتيجية. خلقت الحرب تحديا امام الأوروبيين والأمريكيين لتوفير الطاقة بديلا عن مصادر الطاقة الروسية وكذلك المواد الغذائية والسلع الأساسية. وفي خضم هذا الصراع تبرز احتمالات توتر جديد بين كوسوفا وصربيا، كما بدأـت ملامح صراع بين أذربيجان وأرمينيا لإطباق الحصار على الروس وتوريطهم، الى جانب حلفائهم الإقليميين، في صراعات إقليمية وعرقية إضافية.

 

 

الصراع على غاز شرق المتوسط

 

في هذا السياق تستجد مسألة ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، فشرقي المتوسط غني جدا بالغاز وهناك احتمال توفير الطاقة لأوروبا من خلال الحقول امام سواحل فلسطين والتي باتت جاهزة للاستخراج، لكن تتعثر هذه المساعي مع تطورات الخلاف الحدودي بين لبنان وإسرائيل حيث تحتوي المنطقة على عشرات الاف الأمتار المربعة والمتوقع انها تحتوي على كميات كبيرة من الغاز.

 

‪ ‬

هذا الملف يزيد من حدة التوتر في المنطقة، سيما وان حزب الله في لبنان وحليفه الاستراتيجي الإيراني يستخدمانه كورقة للضغط في المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وشركائها الغربيين، حيث تستخدم إيران أوراقا متعددة للضغط على الولايات المتحدة وعلى حلفائها كالصراع في اليمن وفي العراق وفي سوريا.

 

 

بالمقابل تتحمس الدول الأوروبية لإيجاد حل سريع للاتفاق النووي والتوصل الى نهايات تؤدي الى التوقيع عليه، وذلك لعدة أسباب: فأولا هي تطمع بتوقيع عقود مع إيران بعشرات مليارات الدولارات للاستثمار فيها ولترميم وتطوير منشآت استخراج النفط والغاز، وثانيا لقطع الطريق امام الصين للوصول الى إيران قبلها (علما ان اتفاقيات بقيمة 400 مليار دولار تم توقيعها بين ايران والصين للتعاون الاقتصادي والأمني والعسكري وبناء وتشغيل المرافئ والموانئ)، وثالثا الحصول على الغاز الإيراني بديلا عن الغاز الروسي لحل ازمة الطاقة، ورابعا لفصل المسار الروسي الإيراني الذي بدا يتشكل في سوريا وتعزز بعد الحرب الأوكرانية.
 

‪ ‬

كلها ملامح النظام العالمي الجديد قيد النشوء من دون ان تتضح معالمه بعد، - الصراع الأميركي الصيني على تقاسم النفوذ والأسواق العالمية والذي ظهر جليا في استعراض القوة في تايوان مؤخرا لدى زيارة نانسي بيلوسي في آب الماضي والذي واجهته الصين بمناورات عسكرية غير مسبوقة في بحر الصين ما رفع نسبة التوتر واحتمالات الحرب المباشرة. كما برز في محاربة الاستثمارات الصينية (من محاصرة شركة هواوي والتحكم بأسواق الشرائح الالكترونية وغيرها)

 

 

القضية الفلسطينية في ظل هذه الأوضاع

 

وكل ذلك يجري في ظل تجاهل كامل للقضية الفلسطينية وامعان الاحتلال بممارساته العدوانية، بدءً بتنازلات الرئيس دونالد ترامب بموضوع القدس واعلانها عاصمة تاريخية لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية اليها واغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن واستمرار إسرائيل ببناء المستوطنات والتعدي على الممتلكات ومصادرة الأراضي العربية، وأخيرا انطلاق مسار التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل من دون ان يؤدي ذلك الى وقف التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية ما يتسبب بتوترات امنية لا سيما في شمال الضفة الغربية وتحديدا في نابلس وجنين.

 

 

يترافق ذلك مع حملة عسكرية إسرائيلية على الضفة تستخدم فيها الطائرات المسيرة، وفرض سلطات الاحتلال قيود على دخول الأجانب الى أراضي السلطة الفلسطينية واغلاق مكاتب منظمات غير حكومية. من دون ان ننسى الاستفزاز المباشر للفلسطينيين التي تبدأ بالحد من حريتهم في ممارسة شعائرهم الدينية، وصولا الى الاعتداء على مشيعي الصحافية شيرين أبو عاقلة التي ثبت أخيرا تورط الجيش الإسرائيلي في قتلها، بعدما نفت إسرائيل ذلك مرارا وتكرارا وألصقت التهمة بالمقاومين في جنين.

 

 

اما تطبيع العلاقات بين دول عربية وإسرائيل فيقوم على مبدأ تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية كمدخل لبناء السلام – طبعا مع تجاهل كامل للبعد السياسي والحقوقي لاسيما فيما يتعلق بالقانون الدولي والعهود الدولية والاتفاقيات والقرارات ذات الشأن.

 

‪ ‬

إسرائيل دولة تنتهك القانون الدولي من خلال الاحتلال وتنفيذ سياسات الفصل العنصري بحق الفلسطينيين، وتنتهك القانون الدولي الانساني من خلال الاعتداءات المتكررة بحق المدنيين ومن خلال استمرار الحصار على غزة وقصف المدنيين والتوسع الاستيطاني، وبالمقابل فان الأنظمة العربية التي بدأت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل هي أنظمة غير ديمقراطية، لا تعير حقوق الانسان والحريات العامة والفردية أي اهتمام وبالتالي فان اهداف التطبيع هي لمساعدة هذه الأنظمة على الهيمنة اكثر في مجتمعاتها لما تتضمنه هذه الاتفاقيات من تعاون وتبادل معلومات وتكنولوجيا للمراقبة والحد من الحريات العامة وطبعا يصب ذلك ايضا في مصلحة إسرائيل من خلال تعزيز القبضة الأمنية على امتداد المنطقة وتعزيز نفوذها الاقتصادي.

 

 

أي ان الاتفاقيات تعمل على تطبيق النموذج الإسرائيلي في الدول العربية من الاعتداءات على الحريات العامة وحرية التعبير والتنقل والتعرض للإعلاميين وكل هذا بديل عن الوجود الأميركي بعد انسحابها من المنطقة.

 

 

أما الفلسطينيون فهم عالقون بين سندان الاحتلال والحصار من جهة وبين مطرقة السلطة الوطنية غير الديمقراطية والقمعية من جهة أخرى. الا ان تصميم الفلسطينيين على التحرر وتمسكهم بحقوقهم المشروعة ونضالهم المستمر فرض حالة من التضامن والالتفاف الشعبي والوطني والدولي لاسيما في مواجهة محاولات تهويد القدس وتحديدا اثناء انتفاضة أيار 2021. ان وحدة الشعب الفلسطيني خلال انتفاضة أيار 2021، حيث انخرط بكامل قواه السياسية والمدنية وفي مخالف المناطق ضمن فلسطين التاريخية ساهم في مواجهة الانقسام وهو يأسس لحالة فلسطينية جديدة، علما ان التحركات الشعبية والمواجهات مستمرة لتتزايد معها الاعتقالات والاغتيالات وقمع الحريات بما في ذلك بحق الإعلاميين (وكان أفظعها اغتيال شيرين أبو عقلة امام الراي العام وبدم بارد).

 

 

وقد فرضت إسرائيل والدول الأوروبية والسلطة الفلسطينية عقوبات على ست منظمات حقوقية غير حكومية بذريعة انها تحرض ضد سياسات إسرائيل العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، وهي مؤسسات معروفة بنشاطها الحقوقي وسجلها الإنساني، كما فرضت حصارا ماليا على باقي منظمات المجتمع المدني الفلسطيني المستقلة ومنعها من التواصل مع المجتمع الدولي والراي العام لفضح الممارسات الاسرائيلية ولتخفيف الضغط عن السلطة.

 

 

وتقوم إسرائيل حاليا بالضغط على الفلسطينيين ماليا. ففي الوقت الذي تتزايد المصاريف على السلطة الوطنية نتيجة الحصار وحالات البطالة والاصابات وتتقلص المساعدات الدولية المخصصة للسلطة وللمجتمع المدني، تتحكم إسرائيل بدفع الاموال المستحقة والتي تحصلها من الجباية الضريبية على الاعمال في المنطقة "س" من الضفة الغربية والرسوم على معبر ألمبي.

 

 

الضغط الدولي يتزايد على الفلسطينيين وخاصة على المجتمع المدني والمنظمات الاهلية والحقوقية. ويسعى الاتحاد الأوروبي، من خلال سياسة الجوار الجديدة والتي يسعى من خلالها الى ادراج اتفاقية ابراهام في نصوصها كشرط لتطوير العلاقة مع دول الجوار الجنوبي والضغط أكثر للتطبيع مع إسرائيل. 

 

 

هل التغيير لا زال ممكنا؟ 

 

ان تطورات الحرب الروسية الاوكرانية لا تشي بإمكان الحسم قريبا، لكن روسيا ستحرص على المحافظة على نفوذها الدولي لذلك ستسعى لان تبقي على دورها في المنطقة وبعلاقاتها مع إيران وتركيا والصين وحلفائها في سوريا والجزائر ومن خلالهم في دول أخرى في الخليج وليبيا وشمال افريقيا.

 

 

ان الصراع الدولي وانشغال روسيا والعالم بأوكرانيا وتايوان قد يتيح الفرصة امام اللاعبين الإقليميين للتحرك للتوصل الى تسويات لذلك فان وحدة الصف الفلسطيني في هذا الظرف الدقيق ضرورية أكثر من أي وقت مضى كما تبين في انتفاضة أيار 2021 لإنقاذ القضية من الضغط الكثيف الذي تتعرض له والإهمال من قبل الراي العام.

 

 

الخاتمة 

 

ان التضامن العربي والدولي للضغط على المنظمات الدولية والأمم المتحدة ومجلس حقوق الانسان والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء بات امرا ضروريا لا بل وجوديا بالنسبة للقضية الفلسطينية ولإبقائها حية ومستمرة. 

 

 

لذلك المطلوب تطوير خطاب جديد يستخدم لاستنهاض الراي العام العالمي يركز على ضرورة تعزيز الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات العامة والفردية كمدخل وحيد لبناء السلام العادل والشامل بما في ذلك العدالة في توزيع الطاقة والموارد، وهذا ما اكدت عليه كل الوثائق والقرارات الدولية بما في ذلك إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة حول خطة عمل 2030 للتنمية المستدامة.

 

 

ان وجودكم اليوم بيننا هو اصدق تعبير عن الالتزام بالقضية الإنسانية للشعب الفلسطيني ونضاله عبر الأجيال. 

 

 

أنتم خير من يمثل القضية ويحمل همومها ويوصل صوتها الى اصقاع العالم، فشكرا لحضوركم والى المزيد من التعاون والتضامن والنضال المشترك من اجل الحرية والكرامة والازدهار. 

 

زياد عبد الصمد