Nov 11, 2020
إنقاذ صندوق النقد الدولي للبنان قد يجعل الأمور أسوأ

في التاسع من آذار/مارس 2020، أعلنت الحكومة اللبنانية امتناعها عن تسديد 1.2 مليار دولار أميركي من مستحقات اليوروبوند، معلنة بذلك أول تخلف عن سداد الديون السيادية في تاريخ البلاد. وقد جاء القرار مدعومًا من عدد من الناشطين والخبراء التقدميين، نظرًا للنقص في العملات الأجنبية في المصرف المركزي اللبناني والحاجة لاستخدام هذا الاحتياطي لاحتياجات أكثر إلحاحًا.
 
جاء التخلف عن السداد في خضم أزمات مالية واقتصادية متعددة، نتجت عن عقود من الفساد ونموذج اقتصادي مبني على استخراج الدخل من القطاعات القائمة على الريع (مثل التحويلات، والمصارف، والعقارات، والمساعدات الخارجية) لتمويل الواردات والاستهلاك، على حساب القطاعات الإنتاجية. في المقابل، قام القطاع المالي (المصرف المركزي والمصارف التجارية) برفد السياسيين بالتمويل اللازم لتوزيع الموارد العامة على أصدقائهم وعملائهم الطائفيين، فلا غرابة أن يؤدّي هذا النموذج إلى التركيز الشديد في الثروة والدخل، وذهاب ربع إجمالي الدخل الجديد إلى جيوب أعلى 1% من اللبنانيين، وحيث 0.1% فقط من الحسابات المصرفية تحتوي على 20% من مجمل الودائع.
 
ومع نمو العجز التجاري للبلاد ومعه الدين العام الناتج عن الاقتراض بأسعار فائدة عالية، فشل النموذج الاقتصادي واعتمد المصرف المركزي مقاربة مبنية على تأجيل الانهيار من خلال إجراءات الهندسة المالية التي أدت إلى تراكم مزيد من الديون بالدولار الأمريكي، وأسفرت عن تسارع هذه الحلقة المفرغة.
 
ويبدو أن المؤسسات المالية الدولية كانت راضية بهذا النموذج الاقتصادي والسياسات التي تحافظ عليه حتى بداية الانهيار المالي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وكان صندوق النقد الدولي قد أشاد مرارًا وتكرارًا بسياسات المصرف المركزي في تقارير المادة الرابعة، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على احتياطي كبير من العملات الأجنبية وجذب الودائع. أمّا البنك الدولي، فقدّم قروضًا كبيرة مشروطة "بإصلاحات هيكلية" ووعد بمثلها مؤخرًا. هكذا، لم يكن لدى أي من المؤسستين اهتمام كبير بإعادة توجيه النمو الاقتصادي نحو القطاعات الإنتاجية، مع تجاهلهما التركيز المفرط في الثروات والدخل.
 
ابتداءً من صيف 2019، وبعد 22 عامًا من سعر الصرف الثابت، تجلّت الأزمة في الانهيار السريع لليرة اللبنانية وفقدانها أكثر من 80% من قيمتها مقابل الدولار في الأشهر الـ12 الماضية. هذا الأمر، إلى جانب الإجراءات التي فرضتها الحكومة لمكافحة جائحة كوفيد-19 والانفجار المأساوي في ميناء بيروت البحري في آب/أغسطس، يجعل التعافي الاقتصادي والمالي للبنان مستحيلاً من دون حلول جذرية.
 
 
شريان حياة للنخبة الفاسدة
 
على الرغم من انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر 2019، عندما خرج مئات الآلاف من مختلف الأحياء في هذه الدولة الصغيرة إلى الشوارع غاضبين من المؤسسة السياسية ومطالبين بتغيير جذري في النظام والطبقة الحاكمة في لبنان، لم يفشل السياسيون وشركاؤهم في القطاع الخاص في الاستجابة لحالات الطوارئ هذه فحسب، بل قاموا بمعارضة أي سياسات عادلة قد تؤثر على مصالحهم، مثل قانون الضوابط على رأس المال أو التدقيق الجنائي للمصرف المركزي أو الامتناع عن سداد الديون الداخلية المستحقة للمصارف الخاصة وخفضها، أو إعادة هيكلة القطاع المالي على أساس الخسائر الحقيقية القائمة.
 
كان الخوف من إعادة الهيكلة هذه هو ما دفع الأوليغارشية إلى تخريب المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، لا الخوف على النموذج النيوليبرالي، ولا بد أن يتّفق التكنوقراط في الحكومة مع الممولين على التشخيص والوصفات نظرًا لحاجتهم البائسة لحزمة إنقاذ.
 
وقد حذّر المتظاهرون ومجموعات المجتمع المدني من أن أي تمويل للدولة اللبنانية قبل التغيير السياسي سيكون بمثابة إنقاذ للطبقة الحاكمة التي فقدت شرعيتها الشعبية. في ضوء ذلك، فإن مبادرة إيمانويل ماكرون للدعم المشروط، بالإضافة إلى برنامج محتمل لصندوق النقد الدولي، ستعطي السياسة كالمعتاد فرصة للاستمرار وستقلل من إمكانية التغيير الحقيقي.
 
 
التقشف والأزمة الاجتماعية
 
تقع تكلفة الأزمة في لبنان على عاتق المواطنين والمقيمين العاديين، فقد أغلقت أعداد كبيرة من الشركات أبوابها أو خفّضت تكاليف الموظفين، فارتفعت البطالة إثر ذلك. وأدّى انخفاض قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدل التضخم الشهري إلى مستوى قياسي بلغ 57%، إلى تراجع كبير في القوة الشرائية وزيادة مستويات الفقر. وقد كشفت تقديرات الحكومة والأمم المتحدة أن أكثر من 50% من سكان لبنان يعيشون الآن تحت خط الفقر، حيث وجدت دراسة أن 23% منهم يعيشون في فقر مدقع، بزيادة قدرها ثلاثة أضعاف عن عام 2019.
 
في هكذا سياق، قد يفضي التدخل الكلاسيكي لصندوق النقد الدولي، المعني بضبط أوضاع المالية العامة وتخفيض قيمة العملة المحلية وتقليص القطاع العام وإلغاء الدعم عن الطاقة والبنزين والقمح، إلى تفاقم الأزمة الاجتماعية والتسبب ومزيد من الفقر، وربما يؤدي إلى توترات اجتماعية مدمّرة. كما أن هاجس ضبط أوضاع المالية العامة استجابة للعجز المالي سيكون له آثار ضارة على التنمية الاقتصادية على المدى المتوسط ​​والطويل (انظر تقرير الأوبزرفر خريف 2020).
 
إن سجل الصندوق وكذلك سجل المسؤولين اللبنانيين المفاوضين غير مشجّعين عندما تعلق الأمر بإعادة التفكير في السياسات النيوليبرالية وتعزيز العدالة الاجتماعية. على هذا النحو، يلعب المجتمع المدني دورًا رئيسيًا في الضغط على كلا الطرفين في هذا الاتجاه، ويتحمل صندوق النقد الدولي مسؤولية إشراك مجموعات المجتمع المدني التقدمية في حوار منهجي بشأن شروط البرنامج المحتمل.
 
وفي حال قيامه، على هذا البرنامج أن يقوم على مقاربة إعطاء الأولوية لحقوق الإنسان وكرامته، ولا يمكن اليوم وضع مزيد من الضغط الاقتصادي على كاهل السكان العاديين، بل ينبغي استبدال خطط زيادة التقشف بسياسات عادلة لتوليد الإيرادات، بما في ذلك نظام ضريبي تصاعدي جديد وسلسلة من التدابير التي تشجع الاستثمار المنتج وتحمي الفقراء من أعباء الأزمة، وإنشاء نظام حماية اجتماعية شاملة.
 
 
زهرة بزّي ونزار حسن، شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية
 
نشرت هذه المقالة للمروة الأولى على موقع https://www.brettonwoodsproject.org