Jan 22, 2021
التقشف جعل المنطقة أضعف في مواجهة جائحة كورونا

كان لجائحة كوفيد-19 آثار اقتصادية ضارة على مستوى العالم – فحتى كتابة هذا المقال، بلغ معدل الإصابات المسجلة عالميًا حوالي 93 مليون حالة منذ بداية تفشي المرض. في حين أن هذا التأثير كان لا بد منه، إلا أن شدته كانت بسبب الخيارات السياسية التي اتخذتها الحكومات ليس فقط أثناء الوباء، بل ايضاً في العقود التي سبقته، والتي شهدت اتجاهًا لسياسات لبرلة الاقتصاد وغيرها من الاصلاحات النيوليبرالية.


شهدت دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على مدار العقد الماضي، بسياسات تقشف كبيرة كجزء من إصلاحات التحرير التي يدعمها صندوق النقد الدولي، واتفاقيات المعونة الأوروبية، وحزم المساعدة الماكروإقتصادية.


عند النظر في الأشخاص الأكثر تأثراً، واستجابات الحكومة للسياسات، من الواضح أن الأزمة كشفت عن عيوب هيكلية عميقة في الأنظمة التي تحكم الحماية الاجتماعية وسياسات العمل. كما كشفت أن هذه السياسات هي خيارات نشطة من جانب الحكومة وأصحاب المصلحة الدوليين، اكثر من اي شيء منزل آخر.


يمكن القول إن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي المنطقة الأكثر تفاوتًا في العالم - حوالي 10٪ من أغنياء المنطقة يستحوذون على 76٪ من ثروتها، حوالي 1٪ يستحوذون على 30٪ منها. وقد تفاقم هذا في العقد الماضي: بين عامي 2010 و 2019، زاد عدد الأفراد الذين لديهم أصول تزيد قيمتها عن 5 ملايين دولار بنسبة 24٪.


في نفس الفترة، شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا موجات من الاحتجاجات والحركات الاجتماعية المطالبة بالعدالة الاجتماعية وتفكيك الأنظمة الاستبدادية. انخفض مؤشر التنمية البشرية للأردن في هذه الفترة؛ كما أن لبنان يمر الآن بأزمة ثلاثية و يعاني المغرب بشكل خاص من ارتفاع معدلات الفقر وعدم المساواة. على المستوى الإقليمي، تشكل النساء 16٪ من إجمالي العمالة بينما يشكلن ضعف ذلك في أرقام البطالة.


إن عدم المساواة الذي لوحظ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ليس مصادفة – بل هو نتاج عقد من سياسات التقشف التي لم تقم الا بتقوية وتعزيز التفاوت الاقتصادي الاجتماعي.


وقد لعب صندوق النقد الدولي دورًا مهمًا في هذا الأمر: ففي كل من الأردن ومصر، تعرضت أشكال الدعم، التي يمكن القول إنها شكل من أشكال الحماية الاجتماعية الشاملة، للتراجع مقابل تزايد المساعدة الاجتماعية المستهدفة. وبينما تم تخفيض ميزانيات الدعم في كلا السياقين، انخفضت أيضًا ميزانيات المساعدة الاجتماعية المخصصة ومن الواضح أن الخسائر لم تعوض.


وتعاني أنظمة الرعاية الصحية أيضًا من نقص حاد في التمويل و القاء الاعباء على المواطنين. بين عامي 2011 و 2017، ارتفعت النسبة المئوية لتكاليف الرعاية الصحية التي يدفعها مرضى المنطقة (على نفقتهم الخاصة) من 30 إلى 38٪. هذه النسبة مرتفعة بشكل ملحوظ في مصر (60٪) والعراق (58٪) والمغرب (54٪)، والتي ظهرت بشكل خاص أثناء تفشي فيروس عالمي.


حددت سنوات من تفاقم التفاوت في المنطقة الشكل الذي أثر به تفشي كوفيد-19 على الفئات الثرية كما المعدمة. أظهرت حسابات اوكسفام عن الثروات في بداية هذه السنة، بأنه منذ أن ظهر الوباء حقق اصحاب المليارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا زيادة يومية في الإيرادات بلغت 63 مليون دولار أمريكي. اعتبارًا من أغسطس، قُدِّر هذا بإجمالي 10 مليار دولار أمريكي. في المقابل، بلغ إجمالي الخسائر المقدرة في دخل العمل للعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 85 مليار دولار أمريكي.


في تلك الأثناء، شهد سكان المنطقة تدهوراً في مستوى معيشتهم أثناء الوباء. ما يقدر بنحو 45 مليون شخص دفعوا إلى براثن الفقر، مما يساهم في تقهقر الطبقة الوسطى. وقدرت "إسكوا" أن 1.7 مليون وظيفة كانت مهددة في الأشهر الأولى بعد الإغلاق العالمي: من بينها، قدرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن للنساء حصة 700000 وظيفة منها.


يعكس هذا عدم المساواة الموجود مسبقًا في عمل المرأة والبطالة: على الرغم من أنها تشكل نسبة منخفضة من العمالة الإقليمية، إلا أنها شكلت حوالي 40 ٪ من خسائر الوظائف المتوقعة، مما يعكس العوامل الهيكلية والاجتماعية التي جعلت النساء أكثر ضعفًا في القوى العاملة.


واجهت النساء أيضًا آثارًا غير متناسبة في منازلهن: حتى قبل الأزمة، عملت النساء حوالي 4.7 ضعف حجم أعمال الرعاية مقارنة بنظرائهن من الرجال، وأبرز تقرير حديث لهيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء أبلغن عن زيادات في أعباء العمل المنزلي في جميع البلدان في المنطقة. يُظهر هذا التقرير أيضًا أن حالات العنف ضد المرأة في المنطقة العربية زادت بنسبة 55٪ خلال أزمة فيروس كوفيد-19 المستجد؛ مما يعني أن المرأة لا زالت الأكثر تحملاً لوطأة الأزمة.


يتم فرض هذه الأنظمة من خلال برامج القروض المدعومة من صندوق النقد الدولي والتي تشجع على ضبط أوضاع المالية العامة من خلال لبرلة الاقتصاد وإجراءات التقشف. ويتم تعزيزها بشكل أكبر من خلال المساعدة المالية الكلية للاتحاد الأوروبي، والتي يكون إصدارها مشروطًا بالانخراط في برنامج قرض صندوق النقد الدولي.


يتطلب تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إعادة التفكير بشكل أساسي في التحرير الاقتصادي والتقشف كشرط مسبق أساسي لوصول الدولة إلى الدعم المالي. إن أوجه اللامساواة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي تفاقمت بسبب التشجيع على سياسة التقشف، كشفت عن ثغراتها خلال الوباء. التراجع عن دعم الدولة، وخاصة أنظمة الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية، ليس مستدامًا، ويبدو أن لا خطة فورية أو دعم لاحتمال إعادة تطبيق هذه السياسات تلوحان في الافق.


علاوة على ذلك، عززت السياسات التجارية للاتحاد الأوروبي أيضًا من تفاقم التفاوتات ولا زالت تخاطر بتفاقمها، خاصة في منطقة المغرب العربي. كما يتضح من تقرير حديث لمنظمة أوكسفام، فمنذ توقيع المغرب على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، زاد نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 1 و 7٪ سنويًا، لكن المستويات المرتفعة من الفقر وعدم المساواة استمرت مع مؤشرات "جيني" بنسبة أقل من 40%، في حين أظهر تقييم اتفاق التبادل الحر الشامل و المعمق في تونس عن احتمالية توفر فرص عمل جديدة، لكنه حذر أيضًا من فقدان الوظائف في القطاعات ذات المهارات المنخفضة والقطاعات التي تهيمن عليها النساء (المنسوجات والملابس والسلع الجلدية). على الرغم من وجود مكاسب محتملة من هذه الاتفاقيات، فإن الخسائر غالبًا ما تكون غير مؤاتية للفئات الضعيفة على وجه الخصوص.


في نهاية المطاف، فإن التحولات النموذجية هي ما هو مطلوب لتقليص أوجه عدم المساواة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو ما يمكن أن يمنع في نهاية المطاف الأزمات المستقبلية مثل تلك التي لا تزال تعاني من جائحة فيروس كورونا وتدابير الإغلاق المرتبطة به.


أثبتت سياسات التقشف الحالية أنها مؤذية  وغير مستدامة، مما يبرز الحاجة إلى تغييرات هيكلية شاملة في إدارة المساعدة والتمويل بطرق تراعي بشكل عادل الاحتياجات والمكاسب والخسائر والآثار. يضع هذا التحول الهياكل التي تمنع، أو على الأقل تخفف، الآثار غير المتناسقة التي تحملها الأزمة على الفئات المهمشة؛ داعمةً بذلك أنظمة مستدامة وعادلة للجميع.


شادن المصري – باحثة اقتصادية

نشرت هذه المقالة مؤخرًا عبر مجالات