Oct 04, 2021
نظرة اقليمية على الجائحة العالمية

‫نظرة اقليمية على الجائحة العالمية - جيهان ابو زيد

للإطلاع على البحث كاملًا الرجاء الضغط هنا



‫مقدمة:‬



‫منذ وطأت قدماها المنطقة وقلبها ينبض نبضًا أشبه بصيحات سيارات الإنذار. فُتح الباب بحذر واعتذرت منها سيدة المنزل قائلة إنها ستتصل بها حال انتهاء الجائحة، لم تعلم السيدة الأربعينية عن أي جائحة تتحدث، الشوارع كما هي معبأة بالبشر والسيارات تلاحق الواحدة الأخرى، فعن أي جائحة تتحدث!!‬



‫حين عادت "نوال" إلى منزلها في منطقة إمبابة بالجيزة، وجدت زوجها هو الآخر مندهشاً من سلوك صاحب الشركة التي يعمل فيها كسائق، فالرجل طلب منه الرحيل وسأله أن يبقى في المنزل إلى حين تغير الأحوال. الأحوال لم تتغير، بل ازدادت قتامة حين أُلقي القبض على جارهم الذي أطلق صيحات غضب وشتائم على صفحة الفيسبوك جراء إهمال أوضاع الفقراء الذين حتما سيموتون جوعا بسبب تلك المصيبة التي يسمونها "كورونا". تلخص أحوال البشر بالشارع الضيق بالحي المصري القديم أحوال الجزء الأكبر من البشر في الدول العربية وغير العربية التي اجتاحتها الجائحة تاركة إياهم إما في ظلمة الفقر أو ظلمة السجون.‬



‫ألقت الجائحة بظلالها على مجمل شؤون حياتنا، وقوّضت أرزاق الفقراء، وتراجعت وتيرة الدعم الإنسانى المعتاد بعدما ضرب الإغلاق كل معاقل الاحتمال، فتفشى الاكتئاب بوتيرة منافسة لتفشي المرض ذاته، وباتت قطاعات واسعة رهن الانتظار تتحين صوت مسؤول ما أو زعيم يعلن عن موعد الانفراج. ‬



‫ومع استمرار فرض إجراءات وقيود مشددة على حركة التنقل والعمل ضمن سياسات مواجهة جائحة فيروس كورونا، يواجه العمال في كثيرٍ من الدول انتهاكات متعددة الأوجه تمس بحقوقهم الأساسية. وقد أفادت منظمة العمل الدولية أن الأزمة قد ألغت ملايين الوظائف في كل بقاع الأرض وبالأخص في الدول الضعيفة والمتوسطة. وأدت جائحة (كوفيد-19) والاستجابات الصحية التي ارتبطت بها إلى أكبر وأسرع تهاوٍ في التدفقات الدولية في التاريخ المعاصر. ‬



‫كما وضعت الجائحة كل القطاعات تحت المجهر، وبالأخص القطاعات الصحية، إذ فاقمت هشاشةُ النظم الصحية تداعياتِ الوباء وكلفته البشرية. أدّت عقود من الخصخصة والتقشف إلى نقص حاد في الاستثمار في الصحة، وحين حل الوباء، بدت العديد من الأنظمة الصحية عاجزة عن التعامل مع الأزمة. حدّ النقص في الكوادر الطبية من قدرة الهياكل الصحية على احتواء الجائحة وإنقاذ المزيد من المرضى. امتلأت أسرّة المستشفيات، وظهرت الحاجة إلى المزيد من غرف العناية وأجهزة التنفس والكادر المؤهل لإدارتها. اضطر الأطباء في بعض البلدان لاختيار من سيحاولون إنقاذه، كما اضطرت بعض العائلات لتجنب خيارات علاج مكلفة، وفُقدت الكثير من الأرواح التي كان يمكن إنقاذها.‬



‫يستعرض هذا التقرير أوضاع المنطقة العربية إثر تعرّضها كما دول العالم لجائحة كوفيد 19 باحثاً في السياسات التي انتهجتها الدول لمواجهة الجائحة وما يمكن أن تخلفه من التمييز والإقصاء لفئات اجتماعية محددة. يستعرض التقرير أيضًا تداعيات الجائحة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، ويبحث في بنية المنطقة صحياً واقتصادياً، مع الوقوف على قرارات اتخاذ تدابير أكثر إنصافاً ودعماً أو عدمها.‬



‫يبدأ التقرير بالوقوف على ملامح اللامساواة في دول المنطقة العربية في عدد من المجالات، ثم يتجه إلى التعرف إلى تداعيات جائحة كوفيد على الدول العربية وما خلفته وتخلفه من إضعاف الهياكل الاقتصادية المنهكة بالأساس، وما جلبته أيضًا من ممارسات اجتماعية جديدة قد يكون لها آثار سلبية على المدى البعيد مثل التعليم عن بعد وأخطاره التعليمية، وأيضًا الإنسانية التي ستخلف مزيدًا من المتسربين من التعليم الذين سينضمون إلى طابور عمالة الأطفال، ثم يستعرض ممارسات العنف التي تعززت خلال الجائحة والتي شهدت تمادياً مخيفاً. وينتقل التقرير إلى رصد السياسات التي اعتمدتها الدول العربية لمواجهة الجائحة، وقد ركز التقرير على ست دول عربية هى: لبنان ومصر والمغرب وتونس وفلسطين والعراق.‬



‫وفى إطار التعرف إلى أكثر الفئات تضرراً، يرصد التقرير عدداً من الجماعات الأكثر تهميشاً والتي واجهت تحديات مضاعفة جراء الجائحة، ثم يتوقف أمام حالة حقوق الإنسان في الدول العربية خلال تلك الأزمة راصداً كيفية توظيف الحكومات العربية للجائحة بمزيد من إحكام القبضة الأمنية. ثم يستعرض التقرير بعض الجهود الدولية المصاحبة والتي كشفت عن انتهازية العولمة التي تركت الدول الأضعف بلا دعم حقيقي. وينتهي التقرير بطرح عدد من التوصيات واستعراض لبعض الفرص التي قد تحملها الجائحة.‬



‫ملخص التقرير:‬



‫• إجتاح فیروس كورونا عالماً یعاني من لامساواة شدیدة أصلًا. فزادت الجائحة من حدة اللامساواة وفاقمتھا. وفي حین قد یصاب أي شخص بفیروس كورونا، إلا أن المساواة تنتھي عند ھذا الحد. فالأشخاص الذین یعیشون في حالة فقر ھم الأقل قدرة على عزل وحمایة أنفسھم. ومن الناحیة الاقتصادیة، فإن الناس العادیین ھم الذین یفقدون وظائفھم بعشرات الملایین، لیواجھوا مستویات مخیفة من الجوع والمعاناة. وفي الوقت نفسه، یمتلك المتربعون على قمة ھرم الثروة المدّخرات الكافیة لحمایة أنفسھم، وھم في الغالب یعملون في وظائف آمنة. أما النساء اللواتي يعملن في القطاع غیر النظامي ويشكلن غالبیة العاملین في المجال الصحي، فھن الأشد تضررًا. وفي العدید من البلدان، یتعرض أفراد الأقلیات العرقیة أو الإثنية أكثر من غيرهم للموت بسبب فیروس كورونا بسبب التمييز الواقع عليهم. ‬



‫• كشفت الجائحة الحالية جملة من التحديات التي تواجه المنطقة العربية؛ أبرزها غياب الأمن الصحي وضعف البيئة الصحية الأساسية، وضعف القدرة على مواجهة الأوبئة، وضعف نظم الإنذار المبكر للأوبئة. كما أدت الإجراءات المتخذة لمواجهة الجائحة كتوقيف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية ومختلف الفعاليات، إلى تزايد عدم الاستقرار الاجتماعي. تكشف الأزمة الصحية السائدة في دول المنطقة عن نقاط ضعف قديمة في البنية التحتية للرعاية الصحية وشبكات الأمان الاجتماعي. ‬



‫• تتأثر الصحة في الدول العربية بالحالة الاجتماعية والسياسية في كل بلد. وتعد التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، وغياب الاستقرار السياسي، وطغيان النزاعات المسلحة، وندرة الموارد، عوامل ضاغطة تترك بصمتها على الصحة العامة.‬



‫• كشفت الجائحة عن إشكالية مزمنة تعاني منها الدول العربية، وهي إدارة الإنفاق الاجتماعي، الذي يشمل ما تنفقه الدول على الصحة والتعليم والإعانات المباشرة والدعم النقدي للأسر الفقيرة، علاوة على نفقات التقاعد والتأمينات الاجتماعية. ورغم أن المبالغ المنفَقة مرتفعةً مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية (المغرب وتونس ومصر والأردن ولبنان وسورية مثلاً)، إلا أن العائد من هذا الإنفاق ضئيل للغاية واظهرت الجائحة ضحالة تأثيره، كما أن انخفاض الكفاءة خاصة على صعيد قطاعي الصحة والتعليم، يضعفان من أثرهما فضلاً عن غياب الرقابة وتفشي الفساد.‬



‫• من شأن العواقب الاجتماعية والاقتصادية للجائحة التأثير على الضعفاء أكثر من غيرهم. ومن ذلك مخاطر انتقال العدوى، التي ترتفع بين غير القادرين على تطبيق التباعد الجسدي على وجه الخصوص، مثل سكان الأحياء العشوائية بالمدن، ونزلاء المؤسسات، بالإضافة إلى الفئات التي لا تملك ترف الإقدام على التباعد مثل تجار الأسواق. ويتوجب أن تحصل الاستجابة ودعم الاقتصاد من خلال التصدي لتفاقم جوانب الضعف الموجودة مسبقاً عند الفئات المهددة في سبيل كسب أرزاقها. ‬



‫• إرتكزت الإجراءات التي انتهجتها الدول العربية لمواجهة فيورس (كوفيد-19) على ستة محاور رئيسة: الصرامة في فرض الحجر الصحي، وتعبئة آلاف موظفي وزارة الداخلية لمتابعة فرض الحظر، والاستثمار الاستثنائي العاجل في المعدات الطبية، وتضافر جهود أطقُم الطب المدني والعسكري، وإجبارية ارتداء الكمامة خارج مقرات السكن، والالتزام ببروتوكول علاجي يعتمد على المنتجات الدوائية المحلية.‬



‫• يمثل فيروس كورونا صدمة للعرض والطلب في آن واحد، ويفرض تحديات غير مسبوقة. في الطلب، ونتيجة لتعطل الاقتصاد العالمي المرتبط بالأزمة الصحية، تشهد البلدان تراجعاً في أسعار السلع الأولية. في وقت تشهد فيها خروج رؤوس الأموال منها، وتراجعاً في الواردة إليها. كما تسببت أزمة كورونا في صدمة كبيرة في جانب العرض، تضاف إلى ما سببته من تراجع في الطلب وضغوط مالية. كما أصبحت سلاسل التوريد مهددة بالانقطاع، الأمر الذي قد يفضي إلى نقص في المدخلات الأساسية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية. ‬



‫• اعتمدت الدول العربية تدابير فوقية عند تنفيذ تدابير الطوارئ لمكافحة (كوفيد - 19) وغابت عمليات التشاور أو ضعفها الشديد مع البرلمانات والهيئات الاستشارية المستقلة (كاللجان الوطنية لحقوق الإنسان، ومؤسسات العدالة الانتقالية والسلطات المحلية ومنظمات المجتمع المدني). وعززت الجائحة إتجاه الحكم من الأعلى، واستخدمت بعض الحكومات الأزمة لكسب صلاحيات جديدة. ومع وجود آليات رقابة غير كافية، تشهد الجائحة حركة نشطة لقمع المعارضة ومزيداً من أحكام السيطرة على مؤسسات الدولة. اعتمدت الدول العربية المنظور الأمني في التعاطي مع الجائحة.‬



‫•  ساهم تفشّي الوباء بدرجات متفاوتة في تسليط الضوء على الجوانب السلبية للعولمة، مثل انتقال الأمراض بشكل متسارع، حتى أصبحت كل دولةٍ تميل إلى تقليص الاعتماد المتبادل أو التكامل مع غيرها من الدول. هذا بالإضافة إلى جانب تنامي مؤشرات الحمائية والعزلة دولياً. ‬



جيهان ابو زيد

للإطلاع على البحث كاملًا الرجاء الضغط هنا