Apr 08, 2022
معركة النساء في التحوّلات السياسيّة في لبنان - جويل عبدالعال

معركة النساء في التحوّلات السياسيّة في لبنان - جويل عبدالعال


بين متاريس "بيروت الغربيّة" و"بيروت الشرقية" كانت تهرول جاريةً، تختبئ خلف الجدران من زخّات رصاص القنّاص، لتصل إلى بيت أختها وتعود بها مع أطفالها إلى بيت أهلها، وأخرى وقفت في وجه السلاح والميليشيات محاولةً أن تحمي ابنها منهم وتمنع اختطافه واقتياده إلى مكانٍ مجهول، متحمّلةً ليالٍ طويلةٍ بعيدةً عنه هي في البيت تلعن خاطفيه وهو في معتقلات الميليشيات يجلد ويعذّب، وإحداهنّ أمسكت بيدي أطفالها الصغار وراحت من شارعٍ إلى شارع تبحث عن زوجها المفقود، فكان لنداء وداد حلواني والمسيرة التي دعت إليها أن تتحوّل إلى أولى المرّات التي تنزل فيها النساء إلى الشارع لتحتج ضدّ الحرب.



جميعها قصص روتها نساء كنّ بطلات ورائدات وإن لم يكتب عن بعضهن التاريخ، ولكنّ الحرب الأهليّة وضعت النساء في ظروف محوّلةً ومبدّلةً أدوارها، حيث باتت النساء صانعات سلام خلال الحرب الاهليّة، مساهمات في تحطيم متاريس الحرب، وردم فجوة الطائفيّة التي غرسها وعززّها مفتعلو الحرب وزعمائها ورعاياها أصحاب المصالح السياسيّة. وبالرغم من اقصاء دورها في المشاركة بمفاوضات السلام وإعادة الإعمار بسبب السطوة الذكوريّة والنظام الأبوي القائم بعد الحرب، إلى أنّها أصرّت على انتزاع دورها القيادي بالرغم من خسارتها للكثير. 



التاريخ... لم ينصف النساء


كتب التاريخ لم تروِ سوى انتصارات الرجال وعن معاركهم وحروبهم، ولكنّها لم تأتِ إلى ذكر النساء سوى كأرامل، وهذا التهميش المقصود للنساء ليس إلّا دليل على تكريس النظام البطريركي الأبوي الذي أراده النظام السياسي اللبناني منذ تأسيسه، والذي كرّس في المنهج التعليمي اللبناني وليس فقط في كتب التاريخ، التي أقصت حقبةً كاملة من تاريخ لبنان، وتمعّنت في نظامها الأبويّ منذ اتّفاق الطائف. 



لم تأتِ كتب التاريخ على ذكر النساء، ولكنّ ذاكرة النساء كانت أقوى وأكثر قدرة على حمل هذا التاريخ في أعماقها. فكثيرًا ما قصّ علينا أجدادنا وأهالينا لوعة الحرب التي مرّوا بها، لقد حدّثونا عن نساء تمّ اغتصابهن من قبل ميليشيات الحرب، اخريات كنّ يبعن للرجال ذو النفوذ، لقد حدّثونا أيضًا عن امرأة قتلت بناتها ونفسها لكيلا تتعرّضن للاغتصاب أو التنكيل بهنّ وسط وحشيّة الحرب الاهليّة. انّ هذا التاريخ لم يوجد إلّا بذاكرة النساء التي جرى محاولة محوها تهميشها بحجب ما واجهته النساء خلال الحرب من تمييز واقصاء واستغلال، وذلك بغية قانون العفو وانهاء الحرب من دون محاسبة مرتكبيها والتستر على جرائمها. 



انتفاضة تشرين استرجاع لدور النساء الاجتماعي والسياسي


إذا فإنّ تاريخ نضال النساء حافل في لبنان ما قبل انتفاضة 17 تشرين 2019، ولكنّ التاريخ لم يرض ذكر هذا النضال خشية النظام السياسي القائم في لبنان، فلخّص واختزل ذاكرة الحرب من منظار الرجل، الأخ والأب والزعيم. فالطائفية التي كانت السبب الرئيسي والاساسي لاندلاع الحرب الاهلية لا زالت حتّى يومنا هذا تزال مفاعليها وتأثيراتها مستمرة، بحيث أنّها كرّست النظام الطائفي الذي بالتالي سمح للسلطات الدينيّة أن تتحكّم بقضايا النساء وتكرّس سياساتٍ جائرة ضدهن، وتسلبهن الحق في قانون مدني موحّد للأحوال الشخصيّة، بما عزّز انتهاك حقوق النساء على كافّة الصعد.



مع بدء انتفاضة تشرين أعادت النساء تنظيم صفوفها، وان حاولت الوسائل الإعلامية الاساسيّة والتي هي امتداد للسلطة الحاكمة تصويرها بالصورة النمطية في أنّها الوجه السلميّ والجميل الفاتن في الثورة، أو محاولة محاربة التحرّكات المطلبية عبر توصيف المتظاهرات ب “العاهرات "من قبل الوسائل الإعلامية أو سياسيين/ات أو حتّى أشخاص ذوي/ات نفوذ اجتماعي. فتشويه صورة النساء لم تكن إلّا أجندة سياسيّة تخدم السلطة الأبوية والنظام الطائفي القائم الذي سلب النساء والفتيات الكثير من حقوقهنّ في ظلّ غياب قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية، إلا أنّ الصورة الحقيقيّة التي حجبت عن الرأي العام، وحدها النساء التي كانت في الساحات تدركها جيّدا. 



لقد كانت النساء في مقدّمة انتفاضة 17 تشرين، وكانت أكثر الفئات واعيةً لمطالبها على كافّة الصعد، واضحة الشعارات والمطالب، منظّمة صفوفها، ذات إصرار على انتزاع الحقوق من أيدي السلطات الطائفية والنظام الأبوي. لقد كان لانتفاضة 17 تشرين أن تظهر قضايا النساء وتطرحها بشكل أقرب إلى الرأي العام قادر على فهم القضايا من وجهة حقوق وليس من منحى نظام سياسي طائفي متحفّظ على هذه الحقوق، تحت مبرّرات التقليدية والهيمنة الذكوريّة. بالإضافة إلى هذا، لقد برز مصطلح النسويّة بحلّة ومفهوم جديد لعدد كبير من الرأي العام، بحيث بات معنى النسويّة واضح، بما يحمله من حركات اجتماعية وسياسية وايديولوجيات تهدف إلى تعريف وتأسيس المساواة السياسية والاقتصادية والشخصية والاجتماعية ليس بين الجنسين فقط بل بين مختلف فئات المجتمع.



لقد فرضت النساء موقعها السياسي في انتفاضة 17 تشرين، صانعةً منبرها الحقوقيّ، إلى جانب مواجهة عنف القوى الأمنية مناصري الأحزاب اللبنانيّة التي تصدّت للمتظاهرين/ات في كافّة المناطق اللبنانيّة، ومن اللافت، وأنّه بالرغم من كلّ أشكال تنميط دور النساء في المناطق البعيدة عن مدينة بيروت، إلّا أنّ دور النساء كان بارز فيها، بحيث نجحت النساء في كسر حواجز الخوف وفي المواجهة والثورة في وجه الأنظمة والقوانين الأبوية الذكوريّة. 



لقد كان لانتفاضة 17 تشرين أن تدفع النساء لتنظيم تحرّكاتهن المطلبيّة، أن تكون درعا بشريّا وأن تقف في وجه شبّيحة الأحزاب السياسية وأزلام السلطة والقوى الأمنية، لتكون هذه الممارسات نقلة جديدة في ابراز دور النساء، واليوم نستطيع التماس هذا التغيير على مستويات مختلفة. لقد شهدت منطقة بعلبك على سبيل المثال تحرّك لمجموعة من النساء منذ حوالي الشهر بهدف مساءلة البلدية ومطالبتها بحقوق المنطقة الاساسيّة. أمّا في منطقة طرابلس، فلقد ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بقضايا التحرّش الجنسي الذي تعرّض لها عدد من الطالبات من قبل أساتذة، وكان لفضح اسم الأستاذ المتحرّش، والتظاهرات أمام المدرسة والضغط على مديرها أن تحقّق إنجازات وتغييرات لم يكن حدوثها متوقّع، حتّى تتالت عملية فضح الأساتذة المتحرّشين في مدينة طرابلس، والذي كان بمثابة كسر النظام الأبوي والثورة على المجتمع الذكوري. 



وإن كان التاريخ عبر مرّ السنوات والعقود عمد إلى محو دور النساء من ذاكرته خدمة لمصالح النظام السياسي القائم، إلى أنّ النساء بتحرّكاتها وتنظيم صفوفها، استطاعت أن تعيد رسم ذاكرة التاريخ وتخلق مساحاتها المنظّمة لنزع حقوقها من سلطة الطوائف الطاغية والنظام البطريركي الأبوي القائم، وها هن اليوم تسعى إلى خلق مساحة حوار آمنة وأن تكن شريكات في حل النزاعات، وترجم العقائد التي تحول دون ممارسة دورها السياسي والاجتماعي بالرغم من كلّ العوائق والتحدّيات.



جويل عبدالعال