Apr 08, 2022
شبكة الأمان الاجتماعي في لبنان: "أمان" بعيد المنال - اديب نعمه
اديب نعمه
خبير ومستشار في التنمية والسياسات الاجتماعية ومكافحة الفقر

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
اديب نعمه

شبكة الأمان الاجتماعي في لبنان: "أمان" بعيد المنال - اديب نعمه



بعد تأخير سنتين تقريبا، بدأ العمل بشبكة الأمان الاجتماعي الطارئة في لبنان ESSN بدعم من البنك الدولي، والتي ستشمل 150 ألف أسرة لبنانية تضاف الى الأسر التي يشملها البرنامج السابق للأسر الأشد فقرا NPTP بحيث سوف يغطي البرنامجان ما يقارب 200 ألف اسرة لبنانية بحزمة مساعدات متشابهة. وتمثل هذه الأسر حوالي 20% من اجمالي الأسر اللبنانية، ويتضمن الدعم المقرر تحويلات نقدية بالدولار الأميركي تبلغ في حدها الأقصى 125 دولار شهريا (لأسرة بحدها الأقصى تبلغ 6 أفراد)، إضافة الى دعم إضافي للأسر المؤهلة والمستفيدة نفسها للحد من التسرب المدرسي بدعم مالي إضافي أيضا، لكل اسرة لديها ولد عمره بين 13 و18 سنة.



ما هي الملاحظات على هذا البرنامج، وقبل ذلك على المقاربة نفسها؟



1- لم تعد مقاربة تقديم دعم مجتزأ لما يعتبر الأسر الأشد فقرا مقاربة ملائمة بالنسبة الى لبنان مع انهيار القدرة الشرائية للأسر بحوالي 90% نتيجة عوامل مركبة أهمها انهيار سعر الصرف. ونتج عن ذلك انه على الأقل فإن 75% من الأسر في لبنان تعاني من عجز في تغطية حاجاتها الأساسية وهي تحتاج الى دعم مالي لسد الفجوة بين داخلها وكلفة حاجاتها. ويقابل ذلك عمليا كل الأسر التي يقع دخلها الشهري تحت عتبة 2.4 مليون ليرة لبنانية التي تمثل 73% من إجمالي الأسر في لبنان. وكان هذا الدخل يمثل 1,600 دولار أميركي قبل الانهيار، وبات يساوي اليوم 100 دولار فقط، في حين أن الحد الأدنى للأجور كان يساوي سابقا 450 دولار (675 ألف ليرة). لكن البرنامج يغطي فقط "الأكثر فقرا" الذي يقابلون الـ 18% من الأسر التي داخلها يقل عن الحد الأدنى (اقل من 650 ألف ليرة حسب إدارة الإحصاء). لكن المشكلة تكمن انه بغض النظر عن التسميات والمعايير للأشد فقرا، فإن الحاجة الفعلية هي تغطية ثلاثة الى أربعة اضعاف الأسر التي يغطيها البرنامج الحالي. أما تحديد التغطية فهي تمت بناء على التمويل المتوفر (246 مليون دولار قرض من البنك الدولي) اكثر مما هي مستندة الى الحاجة الفعلية (والتي هي 75% من الأسر). 



2- ان الفئة المستهدفة بهذا البرنامج التي يمكن ان تستفيد من متوسط 100 دولار شهريا هي الفئة الدنيا من شرائح الدخل (18-20% كما سبقت الإشارة الى ذلك). وما سوف يؤدي اليه هذا الدعم الفوري هو ان الأسرة المستفيدة التي يكون دخلها الشهري يبلغ تقريبا 500 ألف ليرة (مثلا) سوف تستفيد فورا من دعم يبلغ 2.5 مليون ليرة، أي سوف يرتفع داخلها الى 3 ملايين ليرة. في حين الأسرة التي دخلها مليون ليرة او مليون ونصف ليرة، سوف يبقى دخلها كما هو دون زيادة. أي أنه من ناحية الترتيب الهرمي لفئات الدخل، فإن الشريحة الدنيا (الخامسة من حيث الترتيب) سوف تنتقل الى كونها الشريحة الثانية، وتحول الشريحتان الثالثة والرابعة وقسم الشريحة الثانية القديمة الى الترتيب الأدنى. وطبعا هذا سوف يولد تفاوتات وتوترات اجتماعية جديدة، لم يلحظها معدّو المشروع.




3- بالنسبة للمستفيدين من الدعم المدرسي الإضافي، وهم أبناء الأسر نفسها الذين يستفيدون من الدعم الأول، سوف يولد ذلك الوضعية التالية: لنفترض أن هناك 40 طالبا في الصف السابع او الثامن في مدرسة رسمية، من أصل هؤلاء 15 تلميذا هم من أبناء الأسر المستفيدة من برنامج "أمان"، هؤلاء سوف يحصلون على دعم مباشر لتغطية نفقات التعليم أضافة الى تغطية نفقات ومساهمات الاهل في صندوق المدرسة. لكن سيكون في الصف نفسه 25 تلميذا غير مشمولين بمثل هذه الدعم. أي انه سوف ينتج عن البرنامج انشاء طبقة جديدة داخل طبقة الفقراء انفسهم، وضمن المدرسة والصف الواحد. ولذلك أيضا نتائج سلبية لا تحتاج الى شرح، في حين الحل المنطقي والوحيد ربما، هو الالتزام الفعلي والفوري بدعم المدرسة الرسمية وتعميم التعليم المجاني والالزامي ذي النوعية الجدية بدل هذه الإجراءات المجزأة والضارة وغير المفيدة. 



4-  من الضروري لفت النظر الى ان تمويل هذا البرنامج تم من خلال قرض من البنك الدولي (246 مليون دولار)، أي ان هذا الدين الجديد سوف يضاف الى ديون لبنان الكبيرة أصلا (والتي كانت تبلغ حتى فترة قريبة 170% من الناتج المحلي). كما ان ذلك سوف يشكل عبئا إضافيا على المواطنين الذين عليهم تسديد القرض وفوائده بسبب خيار الحكومة السير في خطة التمويل من  خلال الاقتراض بدل مصادر التمويل المحلية، لاسيما الضرائب على الثروات والمداخيل المرتفعة على سبيل المثال. لا بل ان الحكومة حاولت في سعيها الى تمويل تغطية أوسع، الى تحويل قرض آخر للبنك الدولي الى لبنان مخصص للنقل العام ويبلغ 350 مليون دولار، من اجل توسيع التغطية، وهو امر رفضه البنك الدولي لاعتبارات تتعلق بإدارة البرنامج. قد عارضت قوى المجتمع المدني مقاربة الحكومة، حيث ان ثمة حاجة ماسة الى نقل عام، ومن شأن ذلك ان يساهم في تخفيف العبء على موازنة الاسرة حيث ان 10-12% من موازنة الاسرة في لبنان كانت تنفق على النقل بسبب غياب نقل عام، هذا إضافة الى إيجابيات اقتصادية ومالية أخرى في ظل الازمة، وكذلك الفوائد البيئية. 




5- نشب خلاف بين البنك الدولي وبين الحكومة اللبنانية على إدارة المشروع. وفي حين كان البنك الدولي يصر على إدارة المشروع حسب قواعده وتحت اشرافه المباشر وباستقلالية نسبية واسعة عن تحكم الوزارات والمؤسسات الرسمية في تحديد المستفيدين، فإن الحكومة والمجلس النيابي وقادة الأحزاب الفاعلة سعت كل جهدها من اجل زيادة دورها، ودور الوزارات والأجهزة الحكومية والمجالس البلدية في إدارة البرنامج لاسيما اختيار المستفيدين وعملية التوزيع. ومثل هذا السعي يهدف الى استخدام البرنامج لأغراض انتخابية ولتجديد الولاء السياسي من خلال تسهيل او ضمان حصولهم على الدعم من خلال تدخلهم في الاختيار والتوزيع. ولم تنجح هذه المحاولات، ولكن ذلك لا يعني وجود ضمانات كافية لتلافي بعض الثغرات في التنفيذ. الا ان الدرس المستفاد هنا هو التعامل من برنامج الدعم بكونه فرصة لزيادة الزبائنية والتوظيف السياسي والانتخابي.



6- أخيرا، وبعض النظرعن التفاصيل التنفيذية، فإن المقاربة نفسها غير ملائمة بالنسبة الى بلد يمر في مسار من الإفقار العام والتدهور الشامل لمستوى المعيشة يطال مجمل السكان ما عدا شرائح قليلة منهم في اعلى هرم السلطة السياسية او المالية والاقتصادية، وبعض الفئات التي تتوفر لديها مداخيل بالعملات الصعبة. وعلى الرغم من مثل هذا الوضع يتطلب الانتقال من نظام شبكات الأمان الاجتماعي القائمة على الاستهداف الى نظام للحماية الاجتماعية الشاملة القائم على أساس الحق، او على الأقل اعتماد أرضية للحماية الاجتماعية حسب مقترحات الأمم المتحدة، لا يوجد أي مؤشر على توجه حكومي في هذه الوجهة. لا بل تستمر السياسات المجزأة، والإجراءات والقرارات المرتجلة، والهدر، والنهب الممنهج للموارد العامة والخاصة. كما ان وضع من هذه النوع تتطلب الشروع الفوري في إعادة اطلاق اقتصاد وضبط الوضع المالي والنقدي، وإعادة هيكلة المصارف، إضافة الى اعتبار السياسات العامة هي الوسيلة الأكثر فعالية في التخفيف من الفقر والحد من التفاوتات الجديدة التي تولدت خلال فترة الانهيار. اما توجه الحكومة فهو يكاد يقتصر للترويج على ان برنامج شبكات الأمان الجزئي والقاصر هذا، هو حل لمشكلة الفقر، ويعتبرونه بديلا للسياسات العامة في الصحة والتعليم والسكن والنقل العام، وبديلا عن الشروع في إعادة هيكلة المصارف والافراج عن الودائع المحجوزة او المنهوبة، وعن كل اصلاح أخر ضروري. 



اديب نعمه