Jul 12, 2021
دور الدولة وواقع الأعمال الاستثمارية وتحديات التنمية في فلسطين

دور الدولة وواقع الأعمال الاستثمارية وتحديات التنمية في فلسطين - تحميل التقرير الكامل



مقدمة



في كل دول العالم تقريباً، تظهر الروابط بين السياسة والاقتصاد بشكل جليّ. ويعتبر كل منهما مؤثراً ومتأثراً بالآخر في جوانب وتشابكات عديدة. في المشهد الفلسطيني، يزداد تعقيد العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد، وتتجه معظم الأدبيات التي تناولت الواقع الفلسطيني إلى الاستنتاج بغلبة العامل السياسي وتأثيره المتداخل في كافة مناحي الحياة وغلبته على العامل الاقتصادي. إذ جاءت نشأة السلطة الوطنية في العام 1994 مستندة إلى الاتفاق السياسي )اتفاق أوسلو( الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. ومن رحم الاتفاق السياسي، ولد بروتوكول باريس الاقتصادي لتنظيم العلاقة الاقتصادية بين الجانبين. ورغم أن هذه الاتفاقيات منحت السلطة الفلسطينية قدراً محدوداً من الصلاحيات والمسؤوليات والقدرة على إدارة الموارد الاقتصادية في المناطق الخاضعة لسيطرتها )المسماة بالمنطقة أ و ب(، إلا أنها قيدت عمل السلطة وإمكانياتها في المناطق المتبقية والتي تشكل أكثر من % 60 من مساحة الأراضي الفلسطينية )المسماة المنطقة ج(. وتم حرمان السلطة الفلسطينية بالتالي من السيطرة على الموارد الطبيعية والاقتصادية والمعابر الحدودية. مثاً، وفقاً لتقديرات البنك الدولي )البنك الدولي، 2013 ، صفحة 13،12 (، تبلغ الخسارة المباشرة للاقتصاد الفلسطيني حوالي 2.2 ملياري دولار )% 23 من الناتج المحلي لسنة 2011 ( نتيجة استمرار الاحتال الإسرائيلي ومنع نهوض القطاعات الاقتصادية المختلفة. تضاف إليها خسائر غير مباشرة تقدر بنحو 3.4 مليارات دولار نتيجة استمرار السيطرة على مناطق )ج( والإجراءات المقيدة لاستغلال الموارد الطبيعية ولحركة الأفراد والبضائع. وفي دراسة حديثة صادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية )الأونكتاد، 2019 ( فإن إجمالي الخسائر الفلسطينية المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن استمرار الاحتال الإسرائيلي خال الفترة ) 2018 - 1967 ( تقدر بحوالي 47.7 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي للعام 2017 .



ومن أبرز ملامح هذا البروتوكول أنه ربط الاقتصاد الفلسطيني مع الاقتصاد الإسرائيلي بغاف جمركي واحد وبالتالي سلب السلطة الفلسطينية القدرة على التحكم بمعدل ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية )مكونات هامة من السياسة المالية( لمعظم السلع والخدمات وبالتالي قارب بين مستويات أسعارها في السوقين بالرغم من التباين الكبير في مستويات الأجور والدخول فيهما. وأبقي البروتوكول كذلك وظيفة جباية الجمارك والقيمة المضافة على مستوردات الفلسطينيين بيد إسرائيل والتي أخضعت تحويلها إلى خزينة السلطة لاعتبارات أمنية وسياسية تعسفية. أما إصدار عملة وطنية فهو مشروط بموافقة إسرائيل، ما يعني حرمان سلطة النقد الفلسطينية من استخدام معظم أدوات السياسة النقدية الضرورية لتوجيه الاقتصاد. ووفق البروتوكول تتحكم إسرائيل بمنسوب تدفق العمالة الفلسطينية إليها بما يخدم مصالحها الاقتصادية واعتباراتها الأمنية. باختصار، أبقى البروتوكول معظم مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني بيد إسرائيل. ورغم عدم التزام الجانب الإسرائيلي بتطبيق نصوص الاتفاق وإطاحته معظم بنوده بفعل استمرار سطوة الاحتال وفرضه وقائع على الأرض تتناقض وروح الاتفاق، ورغم الملاحظات العديدة المسجلة على الاتفاق وعلى الضرر الذي لحق بالاقتصاد الفلسطيني نتيجة استمرار العمل به، إلا أن هذا الاتفاق ظل طيلة السنوات ال 25 الماضية هو الإطار الناظم للعلاقات الاقتصادية بين الجانبين.



وبعيداً عن التقييم العاطفي، والاقتراب أكثر للتحليل والمراجعة الموضوعية، فيمكن القول إن الدور الوظيفي المرسوم للسلطة الفلسطينية، على الأقل من الجانب الإسرائيلي المؤثر الأكبر في قواعد اللعبة، لا يخرج عن كونه مطباً صناعياً )مفتعاً( ومعضلة تزيد من صعوبة مهمة الخبراء والمحللين الاقتصاديين. فمن جهة، يقع ضمن مسؤوليات السلطة توفير الاحتياجات الأساسية )من صحة وتعليم وأمن داخلي وتوظيف( للمواطنين الفلسطينيين، وبذل جهود كبيرة تفوق إمكانياتها لتوفير التمويل الازم لتغطية تلك الاحتياجات. ومن جهة أخرى، تتضاءل قدرة السلطة على رسم السياسات واستخدام الأدوات الاقتصادية المتاحة لها والمحدودة والمقيدة أصاً.



مع ذلك، تمكنت السلطة الفلسطينية من الوفاء بجزء كبير من التزاماتها المالية والأخلاقية والوظيفية تجاه مختلف القطاعات والفئات المجتمعية على اختاف احتياجاتها وتطلعاتها. وخال العقدين السابقين، بذلت الحكومة الفلسطينية، ولا زالت، جهوداً معتبرة، بمساندة المجتمع الدولي، في مجال تحسين المناخ الاستثماري وبيئة العمل لقطاع الأعمال. وارتكزت الحكومة في جهودها على أطر قانونية ومؤسساتية قائمة ومستحدثة. إلا أن هذه الجهود والمبادرات لطالما اصطدمت بجملة من التحديات والصعوبات التي أعاقت المحاولات السابقة وحدَت من النجاحات ومستوى الإنجاز المنشود. ويبدو أن الاقتصاد المشوه الموروث من فترة الاحتال، لا زال يواجه التشوهات نفسها والاختالات الهيكلية ولكن بأدوات وعناصر مختلفة إلى حد ما. فا زال الاقتصاد الفلسطيني مرتبطاً بنظيره الإسرائيلي في القنوات التقليدية )التجارة، العمل، النقد، المالية العامة(، ولا زالت مؤشرات الأداء الاقتصادي وفرص النمو والتطور مرتهنة للسياسات الاقتصادية الإسرائيلية ومزاجية الاحتال والغايات والأهداف السياسية لقادته.



إذا فمشكلة الاقتصاد الفلسطيني الأساسية لا تنبع من نصوص أو تطبيقات اتفاق باريس فقط، وإنما أيضاً من مرجعيته السياسية والأمنية التي جاءت في اتفاق أوسلو. فهذا الاتفاق حتى لو جاء خالياً من النواقص والثغرات الفنية لن يصلح كأساس لإعادة بناء وتطوير الاقتصاد الوطني الفلسطيني على طريق التنمية المستدامة في ظل الترتيبات السياسية والأمنية القائمة. فعزل مسار العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل عن مسار التسوية السياسية ليس ممكناً. كما أن افتراض وجود إمكانية لتطوير علاقات اقتصادية متكافئة وندية بين كيانين أحدهما يحتل الآخر، هو افتراض ثبت خطؤه وضعف منطقه عند كل مواجهة سياسية أو ميدانية كانت تحدث بين الطرفين خارج مسار التسوية وفق الفهم الإسرائيلي. فسيكون من السذاجة الافتراض بأن إسرائيل ستسمح للاقتصاد الفلسطيني أن ينمو ويتطور بشكل طبيعي وبما يُمكِن الشعب الفلسطيني من الانعتاق من التبعية لإسرائيل ويُحرره بالتالي من الابتزاز والضغط السياسي. فالاقتصاد من وجهة نظر إسرائيل هو إحدى ساحات المواجهة مع الفلسطينيين، وعلى هذا الأساس تتعامل معه. هذا إلى جانب عدم صحة افتراض توفر مبدأ حسن النية لدى الجانب الإسرائيلي تجاه عملية التسوية العادلة أصاً. لقد أظهرت تداعيات أزمة كورونا هشاشة الواقع الاقتصادي والتنموي في الأراضي الفلسطينية. وتبيَن حجم الانكشاف للمؤثرات الخارجية والبيئة المحيطة، سواء المؤثر الإسرائيلي المثبط أو العنصر الدولي المتذبذب. وبدا أن هناك إجماعاً، محلياً على الأقل، على ضرورة التركيز على جهود التنمية المستندة إلى المرتكزات والمحفزات المحلية. ومما لا شك فيه أن تعزيز القدرة الذاتية للاقتصاد الوطني، وتهيئة بيئة عمل مساندة للقطاع الخاص الوطني المنتج، تشكل مدخاً ومتطلباً رئيساً لإنجاح الجهود التنموية وتحقيق أهدافها. من هنا، نحاول في هذا التقرير تسليط الضوء على أداء السلطة الفلسطينية، والتحديات التي تعترضها، في مجال تطوير بيئة الأعمال المناسبة لتعزيز دور القطاع الخاص ومكانته الأصيلة كرافعة لجهود التنمية وأهدافها المنشودة.



د. نصر عبد الكريم



دور الدولة وواقع الأعمال الاستثمارية وتحديات التنمية في فلسطين - تحميل التقرير الكامل



إن هذا البحث هو جزء من الراصد العربي ٢٠٢١