Oct 20, 2021
تسريبات وثائق باندورا: دعوة عاجلة للإصلاح الضريبي

تسريبات وثائق باندورا: دعوة عاجلة للإصلاح الضريبي

نصر عبد الكريم


توفّر تسريبات "أوراق باندورا" مزيد من الأدلة على رداءة الإدارة العامة وغياب الفعالية في النظام الضريبي في عدّة بلدان من حول العالم، بما فيها العربية. تكشف السجلّات المسرّبة عن استفادة لاعبين أقوياء كُثر من نظام الأوفشور (الملاذات الضريبية) بدل العمل على وضع حد له، فيقومون بتخبئة أصولهم في الشركات السرية والصناديق الائتمانية في غياب عمل حكوماتهم على إبطاء التدفّق العالمي للأموال غير المشروعة التي تُثري المجرمين وتُفقر الدول. فوفق دراسة أعدّتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومقرها باريس في عام 2020، هناك ما لا يقل عن 11.3 تريليون دولار محجز في حسابات الأوفشور. لكن نظرًا لتعقيد وسرية هذا النظام، لا يمكن تحديد مقدار هذه الثروة التي تأتي من التهرب الضريبي والجرائم الأخرى ومقدار الأموال من المصادر المشروعة والمعلنة لدى السلطات المختصة. 



لا يُعتبر امتلاك أصول في الخارج أمرًا غير قانوني في معظم البلدان، رغم آثاره التنموية الضارة:

غالبًا ما تؤدّي عمليات الأوفشور إلى تحويل الأرباح التي تُجنى في البلدان ذات الضرائب المرتفعة، إلى شركات موجودة فقط على الورق في مجالات قضائية ذات الضرائب المنخفضة.

إن استخدام هذه الملاذات من قبل الشخصيات السياسية أمر مثير للجدل، حيث يمكن استخدامها لإبقاء الأنشطة غير الشعبية سياسيًا أو حتى غير المشروعة بعيدة عن الرأي العام.

يؤدّي نظام الأوفشور إلى إعاقة التنمية المستدامة، نظرًا للعجز الهائل في ميزانيات البلدان المتأخرة والضرائب الضائعة فيها، مما يعني تقليص الموارد المالية المخصصة للإنفاق الاجتماعي.



يأتي حوالي 10٪ من السياسيين في أوراق باندورا من دول عربية، منهم 11 من الإمارات، و6 من لبنان، و5 من السعودية ، و4 من الأردن، و3 من كل من المغرب وقطر. ومن اللافت ارتباط 346 ملف على الأقل بمصرفيين ورجال أعمال وسياسيين لبنانيين مسجّلين في الملاذات الضريبية،  بينما تمر البلاد بأزمة اقتصادية واجتماعية وإنسانية حادة.



تواجه معظم الدول العربية تحدّيات رئيسية مرتبطة بارتفاع مستوى اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية، نتيجة السياسات الاجتماعية والاقتصادية النيوليبرالية التي رافقت التحول إلى نموذج السوق الحرة منذ منتصف التسعينيات، والتي أغفلت حقيقة أن القطاع الخاص، الذي اضطلع بمهام تنموية، يحتاج للاستقرار وسيادة القانون وإلى نظام تشريعي ومؤسسي متكامل غير متوفر في الدول العربية. علاوة على ذلك، أدّت هذه السياسات الليبرالية إلى إعادة هيكلة اقتصادات هذه البلدان نحو انتشار قطاعات الخدمات والتجارة سريعة الخطى ومنخفضة المخاطر والقائمة على الإيرادات على حساب القطاعات الإنتاجية والمستدامة وذات القيمة المضافة.



أدى ذلك لذهاب عائدات النمو في البلدان العربية إلى النخب لا القاعدة الشعبية، مما أدّى إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء في المنطقة على مر السنين. في الواقع، أدى تفاقم التفاوت واللامساواة والتهميش والإقصاء الاجتماعي في المنطقة العربية إلى إعاقة التنمية والقصور في الصحة والتعليم. إن تحدّي تحقيق العدالة الاجتماعية يعتمد على العدالة في الحقوق والعدالة في الواجبات. وترتبط العدالة في الحقوق بالتوزيع العادل لدخل الدولة من خلال الإنفاق العام، مع إعطاء الأولوية لتحسين أوضاع الفئات والمناطق المهمشة وتحقيق التنمية للجميع وتعزيز الاقتصاد المنتج. تتحقق العدالة في الواجبات من خلال التزام جميع الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين بدفع الضرائب والرسوم العادلة التي توفّر الموارد المالية الكافية للدولة لتلبية احتياجات المجتمع. ولا تتحقق العدالة الاجتماعية سوى من خلال الضريبة التصاعدية والتفاضلية التي يساهم فيها أفراد المجتمع في تمويل تنمية البلاد وفق إمكانياتهم وقدراتهم الفردية. لكن، على العكس من ذلك، يتحمل العمال المأجورين في المنطقة العربية الجزء الأكبر من العبء الضريبي، وبتهرّب منها إلى أقصى حد ذوي الدخل المرتفع والأثرياء وأصحاب المشاريع المربحة وأصحاب السلطة الفاسدين.



تحتاج هذه الأنظمة إلى إصلاحات شاملة مبنية على الكفاءة والإنصاف لتتماشى مع متطلبات العدالة الاقتصادية والاجتماعية المرغوبة. لم تتم مناقشة آثار السياسات الضريبية ومدى ملاءمتها للعدالة الاجتماعية إلا مؤخرًا في الأوراق التي تغطي المنطقة العربية (اقرأ المزيد). ومع ذلك، هناك أسباب وملاحظات كافية لدعم الفرضية القائلة بأن السياسات الضريبية في معظم البلدان العربية لا تستجيب للعدالة الاجتماعية ولا لعوامل النوع الاجتماعي، بل، بالأحرى، تعيد إنتاج اللامساواة الاجتماعية والجندرية.



تأتي الإيرادات الضريبية إمّا من الضرائب المباشرة (الضرائب على الدخل والممتلكات)، أو غير المباشرة (ضريبة القيمة المضافة أو ضريبة المبيعات وضريبة الشراء والرسوم الجمركية)، وتختلف حصة كل مصدر في إجمالي الإيرادات الضريبية من بلد إلى آخر حسب طبيعة النظام الضريبي المطبق وبنية الناتج المحلي الإجمالي. وعندما تكون معظم الإيرادات الضريبية من الضرائب غير المباشرة بدلاً من المباشرة، يؤدّي ذلك إلى خلل في الهيكل الضريبي. تُفرض الضرائب غير المباشرة، وخاصة ضريبة القيمة المضافة، على الاستهلاك النهائي للسلع والخدمات دون تمييز بين الأغنياء والفقراء، ودون تمييز بين الكماليات والسلع والخدمات الأساسية. لذلك، فإن هذه الضرائب تتجاهل مبدأ العدالة الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف شرائح المجتمع.بالنسبة لضريبة الدخل، على الدول العربية اعتماد مبدأ الضريبة التصاعدية، التي تولّد عوائد ضريبية أعلى، وتضمن مستوى أفضل من العدالة الاجتماعية. رغم ذلك، يتم تحفيز الاستثمار من خلال قانون تشجيع الاستثمار الذي يتضمن إعفاءات ضريبية لسنوات عديدة قابلة للتجديد.أعلى، وتضمن مستوى أفضل من العدالة الاجتماعية. رغم ذلك، يتم تحفيز الاستثمار من خلال قانون تشجيع الاستثمار الذي يتضمن إعفاءات ضريبية لسنوات عديدة قابلة للتجديد.



في ظل المطالبة بمزيد من العدالة في النظام الضريبي، أعادت أوراق باندورا التأكيد على الحاجة إلى إصلاح ممارسات الشفافية والمساءلة في الدول العربية كجزء من التحرك نحو المزيد من دمقرطة الأنظمة السياسية، وإصلاح النظام الضريبي باتجاه مزيد من العدالة الاجتماعية والاقتصادية والإنصاف. ويمكن أن يرتبط هذا بجهد عالمي لإعادة هيكلة النظام الضريبي العالمي لإعطاء الأولوية لمعالجة اللامساواة، وضمان العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، الأمر الذي يتطلب حوكمة أكثر ديمقراطية وتضمينية للنظام الضريبي العالمي.