Aug 01, 2022
بعد تمرير الدستور: تونس تتجه نحو مأسسة الحكم الفردي - صلاح الدين الجورشي
صلاح الدين الجورشي
الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات

بعد تمرير الدستور: تونس تتجه نحو مأسسة الحكم الفردي - صلاح الدين الجورشي



عادت المسألة الدستورية لتحتل من جديد موقعا مركزيا في المشهد التونسي المضطرب. ولم يبق الأمر في حدود النقاش النظري والسياسي حول ما يمكن تعديله في نص دستور 2014 الذي اتفقت حوله مختلف القوى الحزبية والسياسية وفعاليات المجتمع المدني بعد صراعات ونقاش شارك فيه الجميع وصوتت لصالحه الأغلبية الساحقة لنواب المجلس الوطني التأسيسي، وإنما عمد الرئيس سعيد إلى إلغاء هذا الدستور، وقام بصياغة فردية لدستور بديل، ودعا التونسيين إلى التصويت عليه، وهو ما تم في الخامس والعشرين من شهر يوليو 2022 بمناسبة مرور سنة على الحركة التي أقدم عليها، والتي قام بموجها بتجميد البرلمان وحله فيما بعد، وأقال الحكومة السابقة، ووضع يده على جميع السلطات في البلاد بما في ذلك السلطة القضائية. وجاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الدستور البديل مثيرة للجدل حيث وذلك بنسبة 94.6 % وهو رقم ذكر التونسيين بأرقام شبيهة كانت معتمدة قبل الثورة، لكن في المقابل لم يتجاوز عدد المصوتين ثلاثين بالمائة من الذين يحق لهم المشاركة في الاستفتاء، وهو ما فتح المجال أمام المعارضة لاتهام السلطة بالتزوير، وطالبت باستقالة الرئيس. 



اعتمد الرئيس قيس سعيد لتبرير قراره بإلغاء دستور 2014 على عدة مبررات من أهمها أنه "مناهض لقيم الثورة وأهدافها"، قام بصياغته " أعداء الشعب من أجل احتكار السلطة وسرقة ثرواته"، واعتبره دستورا "ملغما" صاغته حركة النهضة والأحزاب الموالية، في حين أن مختلف التيارات الرئيسية والأيديولوجية وفعاليات المجتمع المدني خاضت صراعات قوية ومفتوحة ضد الاسلام السياسي من أجل إضفاء الطابع المدني والديمقراطي عليه. بناء عليه وضع الرئيس سعيد دستورا آخر جاء مختلفا في روحه ونصه، وضمنه أهم خصائص الحكم الفردي، حيث جمع بمقتضاه كل السلطات، وأصبح هو المتحكم في أهم مفاصله، وتعود إليه وحده سلطة القرار. بذلك وضع القوى السياسية والمدنية الفاعلة في مأزق غير مسبوق. وبدل ان تساعد هذه الاجراءات على تحقيق الاستقرار السياسي وتعزيز الوحدة الوطنية وحماية المكاسب الديمقراطية، حصل العكس تماما حيث تعمق الانقسام بين التونسيين، وتصاعدت المخاوف في صفوف النخب، وعاد القلق تجاه احتمال ان يؤدي هذا المسار الى وأد التجربة الديمقراطية الناشئة وتعريض حقوق الإنسان إلى مخاطر جدية.



يعتقد الرئيس قيس سعيد بأن القطع مع العشرية الماضية التي يصفها بجميع الأوصاف السيئة يمر بالضرورة عن وضع دستور جديد وتشريعات بديلة. ولقي في هذا التوجه " الانقلابي " كما يصفه معارضوه، دعما من قبل بعض الخصوم العقائديين للإسلاميين مثل القوميين بمختلف فصائلهم. كما أيدته في البداية شرائح واسعة من الرأي العام. 



كشفت التجربة الحكم أن أهم مشكلة نتجت عن تنفيذ دستور 2014 تتعلق بما سمي بتركيز سلطة تنفيذية ذات رأسين مما خلق حالة تنازع صلاحيات بين رئيس الجمهورية الذي ينتخب مباشرة من الشعب، وبين رئيس الحكومة الذي يعينه الحزب أو التحالف الحزبي الفائز في الانتخابات البرلمانية. ونظرا للصراعات والتحالفات التي ترتبت عن ذلك وعطلت كثيرا دواليب الدولة خاصة في ظل برلمان منقسم وضعيف، وهو ما جعل عموم التونسيين مناهض للأحزاب والنظام البرلماني، فاستغل الرئيس سعيد ذلك المناخ المريض، واتخذ منه مبررا للقول بضرورة إحداث تعديل دستوري جوهري يتمحور حول تركيز نظام رئاسي قوي إلى حد الإفراط والهيمنة على الدولة، خاصة وأن عموم التونسيين لا يزالون يعطون أهمية رمزية عالية لمكانة الرئيس وفكرة الدولة.



الرئيس في واد ومعارضيه في واد آخر


منذ أن أعلن الرئيس سعيد عن قرار إلغاء الدستور السابق ووضع دستور جديد، واجه معارضة واسعة ومتنوعة في صلب النخب السياسية والمدنية من أحزاب ومنظمات مجتمع مدني ونقابات وجامعيين بمن في ذلك أغلبية أساتذة القانون الدستوري. ويمكن تلخيص نقاط الخلاف في مسألتين رئيسيتين:



أولا: أكدت الأطراف المعارضة على أن رئيس الدولة لا يحق له إلغاء الدستور القائم بقرار فردي، وإنما يحتاج ذلك بعد الثورة أن يتقيد بالضوابط القانونية والمؤسساتية والسياسية التي تم التوافق عليها بين مختلف الفاعلين في نهاية صياغة دستور 2014.



ثانيا: في حال القبول بقرار تغيير الدستور، طالبت الأوساط المختلفة مع رئيس الدولة بتوفير الحق في المشاركة في صياغة البديل، مؤكدة بالخصوص على أن الدساتير لا يكتبها الأفراد، وإنما تستمد أهميتها وتصبح ملزمة للجميع عندما يتم التوافق حول مضامينها، وعندها تتحول من مجرد نص مكتوب إلى وثيق مرجعية هامة. لكن الرئيس سعيد وضع في البداية شروطا تم بمقتضاها إقصاء كل من رفض مسار 25 جويلية واعتبره انقلابا. ثم عين لجنة لتنظيم الحوار مع من يتفقون معه، ووضع على رأسها أحد الأساتذة الكبار في مجال القانون الدستوري الأستاذ الصادق بلعيد. وعندما أعدت هذه اللجنة مسودة دستور في ظروف صعبة وسريعة، فاجأ رئيس الدولة الجميع بنشر وثيقة مغايرة، قام هو بصياغتها، ونشرها بالرائد الرسمي. ثم عاد ليدخل عليها أكثر من أربعين تعديلا بعد تجاوز المدة القانونية، وهو ما اعتبره المختصون قبل الخصوم انتهاكا صريحا للإجراءات، مما يجعل المشروع ساقطا قانونيا. غير أن اعتراضاتهم لم تسمع. كما دفع برئيس "اللجنة الاستشارية من أجل بناء جمهورية جديدة" الصادق بلعيد إلى ينشر نص المشروع الذي قدمه إلى قيس سعيد، وأن يوجه انتقادات لاذعة لدستور الرئيس، واصفا دستور سعيد بكونه "خطير" ويؤسس لدكتاتورية جديدة، ويمنح رئيس الدولة "صلاحيات فرعونية".



دستور يقر ببعض الحقوق وينسف أخرى


حافظ دستور الرئيس سعيد على عديد الحريات والحقوق الواردة في دستور 2014، بما في ذلك حرية الضمير التي سبق وأن انتقدها في خطاباته وكان ينوي حذفها، وقيد مدة رئاسة الجمهورية بدورتين فقط. لكن في المقابل ألغى جوانب أخرى تعتبر من المكاسب الكبرى التي حققتها الثورة التونسية وتعتبر من ضمانات قيام نظام ديمقراطي مثل:


• إلغاء مبدأ الفصل بين السلطات، حيث أعطى الدستور مجالا واسعا لرئيس الدولة للتدخل في أعمال الحكومة والبرلمان.

• منح الدستور حصانة مطلقة لرئيس الدولة، وجعله في منآى عن المحاسبة خلال ممارسته السلطة وحتى بعد انتهاء مهامه الرسمية.

• لإجهاز على مبدأ استقلالية القضاء الذي لم يعد سلطة وإنما أصبح وظيفة.

• التخلي عن التنصيص على المرجعية الكونية باعتبارها أعلى من القانون المحلي، مما يفتح المجال أمام تقديم التشريعات المحلية على المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

• تهميش دور الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب تقليص صلاحيات البرلمان وتقييد حركته من خلال إنشاء غرفة ثانية هي " مجلس الأقاليم والجهات " الذي منحت صلاحيات واسعة في إطار التصور السياسي الذي يؤمن به الرئيس سعيد ويطلق عليه " التنظيم القاعدي ". 



الأحزاب والمجتمع المدني أمام وضع صعب


رغم عزوف المواطنين عن الشأن السياسي عموما وعن المشاركة في الاستفتاء خصوصا، فإن الرئيس سعيد عازم على قلب الأوضاع رأسا على عقب، ولم يبد استعدادا ـ حتى بعد تمرير دستوره ـ تشريك بقية الأطراف الفاعلة في وضع السياسات العامة، مستفيدا من حالة الانقسام السائدة في صفوف النخب. وهو يتجه حاليا نحو وضع قانون انتخابي جديد يضمن له مساندة البرلمان والجهات، ويمكنه من إزاحة معارضيه عن طريق آلية "سحب الوكالة" من أي شخص تم انتخابه ولم يخضع لقواعد اللعبة الجديدة.



لمواجهة هذا المنعرج الجديد الذي دخلته تونس، تم تأسيس عديد التحالفات منها ما هو حزبي، ومنها ما هو مدني. ورغم أن معظم مكونات المجتمع المدني ساندت ما أقدم عليه قيس سعيد يوم 25 جويلية 2021، إلا أنها أخذت تعدل من موقفها تدريجيا في ضوء ما يتخذه الرئيس من قرارات، حتى وجد الكثير منها نفسه حاليا في حالة خلاف أو مواجهة مع السلطة الحالية، وفي مقدمة هذه الأطراف الاتحاد العام التونسي للشغل الذي لا يزال يعتبر ملجأ الكثير من الأحزاب والجمعيات، أو الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات أو نقابة الصحافيين. ومن المتوقع أن تشهد مرحلة ما بعد تمرير الدستور الجديد حالة استقطاب عالية في انتظار ما ستسفر عنه الأحداث.



صلاح الدين الجورشي