Oct 31, 2022
‫العجز الديمقراطي مقابل المصالح قصيرة المدى: معضلة تعزيز الديمقراطية - بيهتر موسكيني‬
بيهتر موسكيني
باحثة

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
بيهتر موسكيني

‫العجز الديمقراطي مقابل المصالح قصيرة المدى: معضلة تعزيز الديمقراطية - بيهتر موسكيني‬


‫بعد أن قرر إحداث اندفاعة جديدة للديمقراطية الأوروبية كجزء من أولوياته للسنوات 2019-2024، يبدو الاتحاد الأوروبي حازمًا في جهوده لتعزيز مرونة الديمقراطيات الأوروبية، وهو ما يستجيب أيضًا لأولويات المواطنين الأوروبيين المباشرة، حيث اختار ما يقرب من ثلث المشاركين (32٪) في استطلاع البارومتر الأوروبي (Eurobarometer) الديمقراطية كأفضل قيمة أوروبية تستحق الدفاع عنها، تليها حرية التعبير والفكر (27٪)، وحماية حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي والعالم (25٪).‬


‫في الواقع، يعد الاتحاد الأوروبي نفسه نموذجًا للديمقراطية وقد اعتبر الافتقار إليها وإلى المساءلة موضوعًا حساسًا للغاية لعقود، وحاول معالجة أي عجز ديمقراطي يظهر، إن خلال عملية الاندماج أو مؤخرًا مع معاهدة لشبونة التي عززت سلطات البرلمان1. وقد جعلت معاهدة لشبونة الديمقراطية إلى جانب حقوق الإنسان مبدأ إرشاديًا لجميع السياسات ذات الأهمية الخارجية أيضًا. لذا، فإن الديمقراطية ركيزة أساسية في عمل الاتحاد مع دول الانضمام والجوار.‬


‫لكن، وعلى الرغم من هذا الالتزام، يظهر العجز في الديمقراطية في الجوار الجنوبي بشكل جلي، حيث تؤدي الطبيعة الريعية في دول المنطقة العربية، والافتقار إلى آليات الحكم ومؤسسات الدولة وأعراف ومبادئ سيادة القانون وكذلك آليات المساءلة والشفافية إلى اندفاع هذه الدول إلى حافة الهاوية والفشل في تطوير أنظمة ديمقراطية. في المقابل، تحافظ الأحزاب الحاكمة والنخبة على هذه الأوضاع، ويقوم المجتمع الدولي بالتنازل عن تعزيز وحماية الديمقراطية وحقوق الإنسان من أجل الاستقرار. لذلك، ورغم الأدوات المتعددة لدعم الديمقراطية في إطار الشراكة الأوروبية العربية، فإن الإنجازات تبقى محدودة. لذا:‬


‫ - لا مفر للسياسية لأوروبا من حماية الديمقراطية وتعزيزها في العلاقات الخارجية، وعلى الاتحاد الأوروبي توضيح ذلك وتأكيده في جميع المناسبات. فقد أدى الخلط بين المخاوف المتعلقة بالاستقرار والأمن وتدابير مراقبة الهجرة والحدود إلى انخفاض منسوب الخطاب الديمقراطي أمام المصالح قصيرة الأجل للدول الأعضاء. ويساهم هذا بالمثل في استمرار عسكرة ميزانيات الدول العربية، وتخصيص الموارد لتجارة الأسلحة بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية لغياب المساواة وتراجع التنمية.‬


‫ - هناك عجز راسخ في الديمقراطية في المنطقة العربية. ويجب معالجة هذه النواقص بشكل منهجي للتأكد من فعالية أدوات ومبادرات تعزيز الديمقراطية التي لن تتأمن بمجرد إجراء الانتخابات أو وجود مؤسسات سيادة أو المشاركة المدنية الحقيقية فحسب. من المهم أن نتذكر أن السير على طريق الديمقراطية لا يضمن الوصول إليها. ويعد الانخراط مع المجتمعات في تحديد نقاط الضعف في الأنظمة الحالية ودعم جهودها لاعتماد سياسات بديلة أمرًا ضروريًا، على أن يأتي الدعم (المساعدة التقنية أو المالية) للقطاعات التي يحددها أصحاب المصلحة في البلدان الشريكة (بما في ذلك المجتمع المدني).‬


‫ - من ناحية أخرى، شهد العقد الماضي تحولات في الديناميكيات المجتمعية في بلدان الجوار، وتعبئة وخطاب جديد قويين، على الرغم من احتفاظ النخبة السياسية بمناصبها وحركاتها الشعبية لسنوات طويلة. وبالتالي، يجب مراقبة السياق الوطني المتغير للبلدان الشريكة عن كثب. وينبغي على الاتحاد الأوروبي، من خلال إشراك وفده في الدول الأعضاء، التمعّن في الديناميكيات السياسية الوطنية، لا سيما مع جماعات المعارضة التي تواجه القمع وفسح المجال لسماع مخاوفهم.‬


‫ - ومع ذلك، لا ينبغي على دعم الديمقراطية فرض أجندة خارجية (سياسية، اقتصادية، ثقافية)، ولا يمكن ضمان ذلك إلا من خلال تقريب قيم ومعايير الاتحاد الأوروبي من مجتمعات الدول الشريكة الجنوبية، وهو ما يفترض تماسك سياسات الاتحاد الأوروبي. فقد أظهرت شعوب المنطقة استعدادها للتحول والتغيير في السياسات الاجتماعية والاقتصادية المطبقة في بلدانهم، بالإضافة إلى أجندات السياسة النيوليبرالية التي روجت لها الجهات الخارجية (المؤسسات المالية الدولية، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة)، وعلى الاتحاد الأوروبي التحلي بالمسؤولية المتبادلة مع الدول الشريكة في شراكته مع شعوب المنطقة، من خلال دعم النموذج القائم على الحقوق البديلة وتعزيز العدالة الاجتماعية والمساواة. كما ينبغي أن ينعكس ذلك بشكل رئيسي في المفاوضات التجارية ودعم جدول أعمال التنمية. وبالمثل، يمكن للاتحاد الأوروبي، بصفته جهة فاعلة عالمية، أن يلعب دورًا رئيسيًا في تعزيز الحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة داخل المؤسسات متعددة الأطراف (البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وما شابه)، وهذا ما عليه فعله.‬


‫ - في مجال تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، من المهم ملاحظة تعرّض البيئة التمكينية في الدول العربية قد لتحديات جذرية ومنهجية. من خلال تدابير مكافحة الإرهاب ومكافحة تمويل الإرهاب إلى القيود المتعلقة بكوفيد-19، تم التضييق الحريات الأساسية في الاجتماع والتجمع السلمي والتعبير عن الرأي وحتى الوصول إلى المعلومات. وقد استخدمت هذه الأساليب لقمع جماعات المعارضة السياسية. وتبقى "قوانين وإجراءات الطوارئ" أعذارًا لمواصلة تنفيذها، وهي "أعذار" يجب تقييمها بشكل نقدي في الحوارات، مع احترام مساحات سياسات البلدان الشريكة.‬


‫ - بناء على توجيهات الوثائق المرجعية الشاملة مثل خطة عمل الاتحاد الأوروبي بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان، تختلف حالة المؤشرات البسيطة للديمقراطية (حرية التعبير، وحريات وسائل الإعلام، والانتخابات الحرة والنزيهة، مثلًا) جذريًا بين الدول شريكة، بالإضافة إلى المؤشرات المعقدة حول الخلفية التاريخية والنخب السياسية وغيرها. ولما كان الأمر كذلك، يجب التخلي عن المقاربة الواحدة الموحّدة لتعزيز الديمقراطية، وفي كامل مسارات صنع السياسات الأخرى. ويجب صياغة أدوات تعزيز الديمقراطية وفقًا لاحتياجات الدولة الشريكة وضروراتها. فإن ملكية هذه الأدوات قد تساعد أيضًا في الانتقال من الالتزام المرتبط بصندوق المشروع قصير الأجل إلى وضع خريطة طريق فعلية.‬


‫ - أخيرًا وليس آخرًا، ورغم التقارب الكبير بين أوروبا وإسرائيل، ثقافيا واقتصاديا، لكن الديمقراطية تتلازم مع السلام وتقرير المصير. ويعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وسياساته التوسعية تجاه الضفة الغربية اختبارًا حاسمًا لجهود الاتحاد الأوروبي في مجال الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان.‬


‫بيهتر موسكيني‬



‫1- بعد الانتهاء من وضعه في أيار/مايو 2022، أصبح المؤتمر حول مستقبل أوروبا مثالًا ملموسًا في هذا المجال، من حيث تمكين الناس من جميع نواحي أوروبا من مشاركة أفكارهم لصياغة مستقبل مشترك لأوروبا.