May 21, 2021
العالم لم يتجاوز مشكلات الأوبئة

يكشف الانتشار الوبائي لفيروس الكورونا (COVID 19) خلال عام 2020، على ان العالم لم يتجاوز مشكلات الأوبئة، كما كشف عن الترابط الشديد بين الوباء وبين المشكلات البيئية والانماط الغذائية وانماط الحياة. كما انه ظهّر نقاط ضعف الأنظمة الصحية بما في ذلك في دول العالم المتقدمة، وثغرات البحث العلمي في هذا المجال، وأعاد الاعتبار الى ضرورة المقاربة المتكاملة للشأن الصحي، واهمية الوقاية وانماط الحياة التضامنية والصحية والصديقة للناس والبيئة. كما كشف  خطورة خوصصة النظم الصحية واهمية دور القطاع العام والسياسات العامة في الحفاظ على صحة الناس ورعايتهم ومواجهة الاوبئة.



تقدم المستشفيات المكتظة، وقوافل الشاحنات التي تنقل الموتى إلى مقابر تم إنشاؤها بسرعة، والأطباء والممرضات المنهكين الذين يكافحون لإنقاذ الأرواح بموارد شحيحة، دليلاً على عدم كفاية قدرة خدمات الرعاية الصحية على التعامل مع تفشي المرض حتى في البلدان ذات الدخل المرتفع. بدءا بالدول المتقدمة، ان الافتراضات السائدة ان الدول المتقدمة محمية من الأوبئة والامراض المعدية، وأنها تملك أنظمة صحية وأنظمة انذار مبكر ورصد ومتابعة، وامكانيات وقائية وعلاجية كافية، تبين انها في غير محلها. فالدول المتقدمة اقتصاديا هي التي عانت أكثر من غيرها، وكانت أنظمتها الصحية قاصرة في أكثر من بلد. تشير التقديرات النموذجية إلى أن العبء على موارد المستشفيات في الولايات المتحدة الأمريكية والمنطقة الاقتصادية الأوروبية )في ذروة الموجة الأولى للوباء في أبريل 2020 كان أكبر بكثير من  قدرة المستشفيات على الاستيعابية1.  وبالرغم من وجود تقييمات عن متطلبات التأهب لحالات الطوارئ في أعقاب تفشي فيروس إيبولا عام 2014 والتي تدعي أنها تحدد النقاط الساخنة للأمراض المعدية في المستقبل، لم تكن هناك احتياطات واستعدادات كافية اتخذت مسبقًا أو في حالة اندلاع جائحة جديد.


كان هناك تفاوت كبير في آثار كورنا الصحية والاجتماعية، ولم يتأثر الجميع بالمستوى نفسه. وبشكل عام كانت الأثار أكثر حدة في الدول التي لا تتوفر فيها أنظمة حماية اجتماعية. وفقا لتحليل جديد من الILO،  كشفت أزمة COVID-19 عن فجوات مدمرة في تغطية الحماية الاجتماعية في البلدان النامية، ولن يستمر التعافي ومنع الأزمات المستقبلية الا إذا تمكنت من تحويل تدابير الاستجابة المخصصة للأزمات إلى أنظمة حماية اجتماعية شاملة2.كانت آثار كوفيد واضحة أيضًا في البلدان التي ترتفع فيها اللامساوة،  والتي لا تشمل فيها الحماية جميع سكانها خاصة في تلك الدول التي لا توفر نوعية العناية نفسها لكل المواطنين كما حصل مع الوفيات المرتفعة جدا في مؤسسات رعاية المسنين. وكذلك كان الاثار شديدا على العمال غير النظاميين واللاجئين والمهاجرين. وهو ما يطرح أولوية المساواة كقيمة ومبدأ اول في أي مسار تنموي لاسيما في فترات الازمات.


 على امتداد عقود، سادت أيديولوجيا تروج لفكرة فشل القطاع العام والنجاح الباهر للقطاع الخاص، خاصة في الدول العربية، ومحاولة خصخصة مختلف مجالات الحياة بما في ذلك الصحة. وما كشفه وباء الكورونا هو ان القطاع العام الصحي كان خط الدفاع الأول عن صحة الموطنين (وهو ما كان جليا في الدول العربية أيضا)، وان النجاح في مواجهة الوباء تتوقف الى حد كبير على فعالية الحكومة وأجهزتها ومؤسساتها وسياساتها، قبل أي امر اخر.


من جهة اخرى كشف انتشار الوباء عن ثغرات جوهرية في النموذج التنموي السائد المحكوم بأولوية النمو الاقتصادي، وفي أساسه الأخلاقي والقيمي. لم تعط الدول الكبرى والمتحكمة بالقرار العالمي إشارات قوية على انها استخلصت الدروس الملائمة من انتشار الوباء. فمقابل كون الوباء عالميا وعولميا، وجدنا استجابات مجزأة وانفرادية من الدول المعنية معظم الأحيان. وبدل التضامن بين الناس والدول وجدنا تأخرا فادحا في حماية الدول النامية من انتقال الوباء اليها، ووجدنا استعارا في الحروب التجارية والتنافس المرضي على انتاج اللقاح بهدف الربح مرة أخرى، يترافق مع حملة على منظمة الصحة العالمية وتقاذف بالمسؤوليات. كما وجدنا تزايد الميول التسلطية والاعجاب بالدول التي فرضت اكبر قد من القيود على الحريات الفردية والشخصية، واستخدمت التكنولوجيا على نطاق واسع لمراقبة تفاصيل الحياة اليومية للناس، بما يوحي بتوجه نحو استخدام هذه الوسائل لاعتبارات لا علاقة لها بالصحة راهنا ومستقبلا.


ان مستقبل الانسان والكوكب، والقدرة على مواجهة الحروب والأزمات والكوارث التي هي في نهاية المطاف من صنع السياسات والخيارات التي يتخذها أصحاب السلطة والقرار، بات متوقفا على التحول الى نمط تنموي وحضاري جديد، يقوم على التضامن بين الناس، وقيم حقوق الانسان، والعدالة الاجتماعية، والتناغم مع الكوكب وبيئته الطبيعية. هذه هي دروس جائحة كورونا.


1- https://globalizationandhealth.biomedcentral.com/articles/10.1186/s12992-020-00645-5
2- https://www.ilo.org/global/about-the-ilo/newsroom/news/WCMS_744708/lang--en/index.htm