Jul 22, 2021
الخروج عن المعتاد: خطوةٌ خارج السردية الدولية

يقف الاقتصاد العالمي الرازح تحت وطأة تداعيات جائحة كورونا أمام خيارين مشوّقين: إمّا أن يختار العالم تعزيز التعاون الضريبي أو يخاطر بتعافي الاقتصادات المدمّرة. ففي ظلّ الجائحة، تفاقمت حاجة الحكومات الملحّة إلى إيراداتٍ تستثمرها في تدابير للاستجابة للأزمة. ولكن، في غياب قوانين ضريبية حديثة، كان ذلك من سابع المستحيلات. فقد أتمّ الإطار القانوني الضريبي الدولي المعمول به مئويّته الأولى، وقد عفى عليه الزمان في عالمٍ دخل عهدًا رقميًا بامتياز. كما وكلّف هذا النظام الكثير من الحكومات سيادتها.


في يوم الخميس 1 يوليو 2021 ، وافقت 130 دولة بما في ذلك أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وجميع أعضاء G20 على إطار العمل لدعم معدل ضريبي عالمي بحد أدنى 15٪ على الأقل. يأتي ذلك بعد سلسلة من المفاوضات في محاولة لإدخال حد أدنى جديد للضرائب العالمية كإجراء استجابة للأزمة الاقتصادية العالمية. لذلك، يسارع العالم إلى إبرام اتفاقٍ ينصّ على الحدّ الأدنى العالمي الجديد للضرائب ويقترح تعديلًا في السردية الدولية المهيمنة.


يرتكز الاتفاق على مقترح "الركيزة الثانية" المزعوم لمنظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهو يهدف إلى الحدّ من المنافسة الضريبية وإطلاق "السباق نحو القاع" في المعدّلات الضريبية للشركات، وذلك عبر اعتماد حدٍّ أدنى للمعدّلات الفعلية للضراب المفروضة على الاستثمارات عبر الحدودية التي تقوم بها الشركات الكبيرة متعدّدة الجنسيات.


يستدعي كلّ ما تقدّم طرح سؤالٍ طال أمده: هل ستدفع تداعيات جائحة كورونا بالعالم إلى إعادة تقييم النظام الضريبي العالمي؟ هل يبدو المجتمع الدولي أكثر توافقًا على ضرورة التغيير؟ في الوقت الحالي، يناقش المجتمع الدولي خطتين اثنتين. تقضي الخطة الأولى باعتماد حدٍّ أدنى جديد للمعدّل الضريبي العالمي. وللمفارقة، تُناقش هذه الخطة الدول السبعة الأغنى في العالم، أي مجموعة السبعة. أمّا الخطة الثانية، فتشير إلى أنّ الضريبة على القيمة المضافة قد تنطوي على تحيّزاتٍ جندرية ضمنية، وهو ما أكّده علماء اقتصاديون من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للمرّة الأولى على الإطلاق.


بدايةً، تجدر الإشارة إلى أنّ متوسّط معدّل ضريبة الشركات انخفض من حوالي 50% إلى نحو 24% عالميًا بين العامين 1980 و2020. ومع ذلك، يدفع العديد من الشركات الكبرى في العالم، لا سيّما شركات التكنولوجيا، أقلّ من ذلك. يقابل هذا الانخفاض ارتفاعٌ في الضرائب على المرتبات، ما يُحدث شرخًا هائلًا بين دافعي الضرائب والشركات العالمية الكبرى. وعليه، يُشكّل تصميم نظامٍ ضريبي أكثر تقدّمًا ضروريًا للتعافي، وذلك لتحويل العبء الضريبي من أسفل الهرم إلى رأسه. ولا يزال الجدل يدور حول قدرة مجموعة السبعة على تحقيق ذلك.


تمّ الإعلان عن "الاتفاق التاريخي" المزعوم حول الحدّ الأدنى للمعدّل الضريبي العالمي بشكلٍ رسمي يوم السبت 5 حزيران/يونيو، عندما اتفقت الدول المتقدّمة الكبرى في مجموعة السبعة على دعم معدّلٍ ضريبي عالميٍ أدنى يبلغ 15% في الأقلّ. وعلى الرغم من أنّ الاتفاق ليس نهائيًا، إلّا أنّه يُشكّل خطوةً إيجابية تجاه الشركات ويساهم في تعزيز ثقة الناس في النظام الضريبي العالمي. فيستهدف الاتفاق شركات التقنية العالية على غرار غوغل وأمازن وفايسبوك، والتي لها تاريخٌ حافل بالتصريح عن أرباح منخفضة نسبيًا في كلٍّ من البلدان التي تعمل فيها. فتشتهر هذه الشركات بفتح فروع محليّة لها في بلدانٍ ذات معدلاتٍ ضريبية منخفضة نسبيًا، والتصريح عن أرباحها في هذه البلدان، فتدفع بذلك الضريبة المحليّة فقط، وهي ممارسةٌ قانونية وشائعة مع الأسف.


يُزعم أنّ الاتفاق سيحدث "تغييرًا جذريًا"، وهو يهدف إلى منع هذا النوع من الممارسات/الأنشطة بطريقتين: أوّلًا، ستُجبر الشركات على دفع ضرائب إضافية في البلدان التي تقدّم أو تبيع فيها منتجاتها وخدماتها، عوضًا عن تسديد الضرائب فقط في البلدان حيث تختار التصريح عن أرباحها. في المقابل، ستعتمد مجموع السبعة حدًّا أدنى للمعدّل الضريبي العالمي وذلك لمنع البلدان من الإخلال باستقرار بعضها البعض بواسطة معدّلاتٍ ضريبية منخفضة.


رحّب العديد من الممثّلين عن هذه الشركات بهذا القرار، معتبرين أن الشركات لا تستطيع التملّص من واجباتها الضريبية عبر تسجيل أرباحها في البلدان ذات المعدّلات الضريبية الأدنى. وبحسب أحد المحلّلين الاقتصاديين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سيساهم تثبيت الحدّ الأدنى للضرائب عند نسبة 15% في درّ إيراداتٍ ضريبية جديدة بقيمة 20 مليار دولار أمريكي.


في المقابل، على الرغم من قدرة الاتفاق الواعدة على تعزيز العدالة الضريبية والتضامن، الواقع بعيدٌ من أن يكون "أروع من أن يُصدّق". فتُعتبر نسبة 15% ضئيلةً جدًا بالنسبة للعديد من الدول الغنية، فلا تشكّل بالتالي عائقًا بالنسبة للكثير من الحكومات. حتّى  أنّ النسبة الضريبية الأعلى المقترحة (21%) والتي قد اقترحتها إدارة الرئيس جو بايدن، لا تُعتبر منصفةً أو عاليةً بما يكفي.


من جهةٍ أخرى، تطالب اللجنة المستقلة لإصلاح ضراب الشركات الدولية، وغيرها من منظّمات المجتمع المجني وكبار علماء الاقتصاد، باعتماد معدّلٍ ضريبيٍ عالميٍ أدنى للشركات يبلغ نسبة 25% في الأقلّ، وذلك إنتاج الموارد الضرورية لدرء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ووضع الحكومات العديدة المتأثرة بجائحة كورونا على سكّة التعافي. فقد سلّطت الجائحة الضوء على الحاجة إلى تعزيز أواصر التعاون الدولي في قطاعات كثيرة، كالمال، والصحة، والنقل، والضرائب. فخلال الجائحة، سجلّ انعدام المساواة والبطالة مستوياتٍ غير مسبوقة. وستتعذر معالجة المشكلة إن لم تدفع الشركات معدّلاتٍ ضريبية أعلى، ما يستوجب، في عهد العولمة، تعاونًا دوليًا فعليًا. فقط حينها، يستطيع العالم وضع حدٍّ للتحايل الضريبي الذي تمارسه الشركات.


وتعتبر منظّمة أوكسفام أنّ نسبة 15% "بعيدةٌ كلّ البعد من أن تكون منصفة". أن نعتقد أن الحدّ الأدنى "الجديد" للمعدّل الضريبي العالمي للشركات، الأشبه بالمعدّلات الميسّرة المفروضة في الملاذات الضريبية كسويسرا وسنغافورة، يكفي لوضع حدٍّ للسباق إلى القاع، لدعابةٌ مضحكة. فإلى جانب أوكسفام، كان الاتفاق محطّ انتقاد منظماتٍ غير حكومية دولية أخرى على غرار  منظمة الشفافية الدولية، والشبكة الأوروبية للديون والتنمية (Eurodad)، والخدمات العامة الدولية (PSI)، التي رأت أنّه "ليس جيدًا بما فيه الكفاية."


كذلك، لا يجوز أن تكون المفاوضات حول القواعد الضريبية العالمية الجديدة بيد مجموعة العشرين في المقام الأوّل. فبحسب توفي ماريا رايدينغ، المنسّقة الضريبية لدى الشبكة الأوروبية للديون والتنمية، كان ينبغي عقد هذه المفاوضات في الأمم المتحدة للحرص على المشاركة الديمقراطية لجميع البلدان، عوضًا عن حصرها بحفنةٍ كم الدول المتقدمة التي لا تُعتبر 15% رقمًا يُذكر. من جهته، شدّد التحالف العالمي للعدالة الضريبية (GATJ) على ذلك، مطالبًا باعتماد حلول أكثر جرأةً. هذا وكانت مجموعة السبعة قد أخذت على عاتقها خفض نسبة الـ21% التي اقترحها الرئيس الأمريكي جو بايدن، واتّفقت على التلاعب باتفاقٍ آخر تحت شعار "قلب المقاييس"، مستخدمةً المنصات غير الرسمية التي أنشأتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التابعة لها، وذلك بحسب ديريجي أليمايهو، المنسّق التنفيذي لدى التحالف. جلّ ما حقّقه اتفاق مجموعة السبعة هو خفض السقف الضريبي للشركات متعدّدة الجنسيات وتمهيد الطريق أمام مزيدٍ من التلاعب في النظام الضريبي العالمي.


بالرغم من ذلك، بعض الدول جادلت باتجاه اعتماد معدّلٍ ضريبي يقلّ عن 15%، مدافعةً بشراسة عن ملاذاتها الضريبية. وتشمل هذه الأخيرة دولة إيرلندا التي تعتمد معدّلًا ضريبًا للشركات بنسبة 12.5%. في المقابل، ينبغي الحديث عن اهتمام هذه البلدان بجذب الاستثمارات الخارجية المباشرة. فإنّ رفع الإيرادات الضريبية يأتي على حساب تراجع الاستثمارات العالمية وتباطؤ النمو الاقتصادي. إلّا أن جائحة كورونا لعتبت دورًا في ترجيح كفّة الإيرادات الضريبية على الاستثمار والنمو. ومع ذلك، إنّ فهم التأثير المترتّب عن رفع الحدّ الأدنى للمعدّل الضريبي العالمي على الاستثمار العابر للحدود، وإيجاد حلٍّ يسمح بتجنّب هذه النتيجة، سيكونان ضروريين من أجل تحقيق النمو الاقتصادي في المستقبل.


وبالحديث عن الخطة الثانية، يشهد المجتمع الدولي تحوّلًا في المعايير الدولي، حيث بات يرحّب بقيم اقتصادية رئيسية لطالما غضَ النظر عنها في الماضي. وقد تمّ تحليل هذه الظاهرة في مدوّنةٍ حول قدرة الإصلاحات الضريبية على تعزيز النمو والمساواة بين الجنسين بعض جائحة كورونا، نشرها مؤخرًا رئيس قسم الممارسة العالمية للاقتصاد الكلي في البنك الدولي ورئيس إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد الدولي، إلى جانب العديد من الإدارات والخبراء المعنيين بالنوع الاجتماعي من إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ولتجنّب التفاؤل المفرط، للمدوّنة عيوبها وقيودها بكلّ تأكيد. فعلى سبيل المثال، لا تتناول المدوّنة الضريبة على القيمة المضافة من وجهةٍ نظرٍ آمنة، مشددةً أنّه يمكن التعويض عن تأثيراتها الرجعية بواسطة الدعم الحكومي وضرائب الدخل. كذلك، تقوّض المدوّنة الحديث عن تقدّمية ضريبة الدخل، حيث لا تشجّع على اعتماد مقاربةٍ ممنهجة لقياس التداعيات الجندرية للسياسات الضريبية.


في المقابل، كانت هذه المرّة الأولى التي يتناول فيها الصندوق الانحياز الجندري المحتمل الذي قد تُحدثه الضريبة على القيمة المضافة، وربط الآليات الضريبية التقدميّة بالمشكلات الجندرية بشكلٍ علني. فلا تركّز المدوّنة على مسألة المساواة بين الجنسين في إصلاح النظام الضريبي وحسب، بل تشدّد على أهمية إشراك النساء لكي تستجيب إدارة الضرائب إلى احتياجات المرأة. إنّها المرّة الأولى التي يعتمد فيها صندوق النقد الدولي هذه السردية، مع العلم أن المدوّنة نُشرت غداة الاتفاق التاريخي. يجوز اعتبار التزامٍ كهذا بالإنجاز. فبعد سنواتٍ من المناصرة، بدأ بعض الأفكار المعقّدة حول الضرائب والنوع الاجتماعي يصل تدريجيًا إلى أروقة الاقتصاد في هذه المؤسسات.


في الخلاصة، وعلى الرغم من أوجع القصور والعيوب التي تنطوي عليها هذه الاتفاقات، لا يسعنا إلّا وأن نقرّ بالجهد الذي يبذله المجتمع الدولي لاستيعاب التغيير الذي يحتاجه العالم. ومع أنّه يشكّل خطوةً إلى الأمام، لا يزال هذا الجهد غير كافٍ إذا ما أردنا تحقيق التغيير الفعلي. فالعالم يحتاج إلى اتخاذ قراراتٍ أكثر جرأةً والخروج عن المعتاد.


هل نحن إذًا أمام حقبةٍ جديدة من الإصلاحات الضريبية العالمية؟ وهل سيعيد صندوق النقد الدولي النظر أخيرًا في مبادئه الاقتصادية الأساسية؟


رشا فتوح