May 04, 2022
الانتخابات والتغيير في لبنان

الانتخابات والتغيير في لبنان – د. عباس أبو زيد



مع بدايات القرن الحادي والعشرين ترسّخ مفهوم يعتبر ان شرعية أي حاكم أو هيئة مستمدة من أصوات الناخبين وتفويضهم. وبات أي نوع من أنواع الإستيلاء على السلطة أو الوصول إليها خارج نطاق صناديق الإقتراع مرفوض بالمطلق. الا ان المسالة لا تقتصر على تنظيم الانتخابات فحسب، لا بل تتعداها إلى مشروعيتها وإلى مدى مصداقيتها وانسجامها مع المعايير الدولية للانتخابات الديقراطية والحرة والنزيهة.  



ولكن هل إجراء الانتخابات هو شرط ضروري وكافي (condition necessaire et suffisante) لتحقيق الديمقراطية؟ وهل الانتخابات هي شرط أساسي (condition necessaire) لتحقيق الديمقراطية؟ الأمر ييدو وكانه حلقة مفرغة لا يُمكن الجزم من اين تبدأ أو اين تنتهي. من هنا يبدو الترابط الكبير بين الانتخابات والديمقراطية. وتقدمت قِيَم ومفاهيم حديثة منذ منتصف القرن الماضي حول أنظمة الحكم على اعتبار ان الديمقراطية مُرتبطة بالقدرة على اختيار القادة من خلال المنافسة الحرة والانتخابات النزيهة وإلغاء تقاليد التوريث السياسي. 



فقد أثبتت التجارب في عصرنا الحالي بأن الأمور تتجه إلى قواعد شبه ثابتة تنطلق من أن لا الحركات الاحتجاجية في الشارع ولا الثورات المسلّحة او السلمية ولا الانقلابات العسكرية ولا أي محاولات القفز فوق نتائج صناديق الإقتراع قد تُتيح للبعض إمكانيات الوصول إلى السلطة من دون أن ينال شرعية تقوم على أصوات الناخبين وعلى الثقة التي تنتج عنها والاهم هو عدم استمرارهم فيها لوقت طويل وغير محدد. فالشارع، وعلى الرغم من قدرته على إسقاط الحكام، كما حصل مع زين العابدين بن علي في تونس، ومحمد حسني مبارك في مصر، وڤيكتور يانوكوفيتش في أوكرانيا، ومعمّر القذافي في ليبيا الا انه غير قادر على ايصال البديل عنهم الا من خلال صناديق الاقتراع.



ولا يقتصر الأمر على مجرد إجراء الانتخابات، إنما يتعداها إلى المشروعية التي تتمتع بها وإلى مدى مصداقيتها وملاءمتها للمعايير الدولية وعلى المساحة التي تُتيح القيام بتغيير ما. وعدم الاستمرار في المصادرة والإستحواز على السلطة يتطلب ضمان التداول الدوري للحكم بشكل سلمي وسلس، وهو يُعتبر شرطاً ضرورياً من شروط تحقيق الديمقراطية في المجتمع. فالسلطة لا يَنبغي لها أن تكون حكراً على أحد، ومنذ منتصف القرن العشرين باتت ديمقراطية أنظمة الحكم مُرتبطة بعدم مبايعة الزعماء بحكم التوريث على أساس المولد أو الجنس أو اللون أو القدر أو الثراء أو التعليم أو التعيين أو الدين، إنما من خلال "الإجراء المحوري في الديمقراطية هو اختيار القادة من خلال الانتخاب التنافسي"[1]. وبالتالي فإن "الانتخابات هي الطريقة الأساسية التي تعمل بها الديمقراطية".  



تتمحور معظم المشاكل والهواجس التي تُحيط بالانتخابات حول مسألتي النزاهة والشفافية، فالخوف من أن لا تَتسم العملية الانتخابية بالمهنية والدقّة يَظل قائماً خصوصًا في الدول غير الراسخة ديمقراطياً، أو التي تفتقر لنظام قضائي عادل، حيث يصعب إيجاد ضمانات بتحييد أجهزة الدولة وأدواتها عن الصراعات السياسية التي تجري أثناء عملية التنافس الانتخابي، كذلك بتحييد وسائل الإعلام العام والخاص، أو إيجاد ضمانات بعدم التدخل في السلطة القضائية وتسخيرها لمصلحة الحزب الحاكم، أو القوى التي تُسيطر على السلطة، وعدم إستخدام موارد الدول لمصالح فئوية، ما يجعل الحاجة ضرورية، خصوصًا في هذه الدول، إلى وضع إطار قانوني يعتمد آليات وقائية، لملاحقة ومعاقبة كل مَن يُخالف القوانين والتشريعات الانتخابية، كذلك ترسيخ آليات لتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات بشكل فعلي، وتنظيم وإشراف ومتابعة العملية الانتخابية من قبل إدارة انتخابية محايدة تكون خاضعة بشكل دائم للمساءلة والمحاسبة، والموافقة على مشاركة منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام بمراقبة الانتخابات بشكل مستقل ومن دون ضغوط من أي نوع كانت.



إذ لا يكفي أن تجري الانتخابات لكي تتحقق الديمقراطية، حتى ولو حصلت في إطار القوانين المرعية الإجراء، إنما يجب أن تحصل في بيئة تضمن فرصًا متساوية للمرشحين، وفي أجواء تُتيح القدر الأكبر من الحرية وإمكانات التعبير والتجمع والتداول السلمي والفعلي للسلطة. 



فسبق واوصلت الانتخابات الى السلطة في بعض الدول مجموعة من الطغاة، مثل نور نزارباييف في كازاخستان الذي نال في انتخابات 2015 (97.7%)، أما في فنزويلا فقد فاز هيوغو شافيز بانتخابات الرئاسة 1998 والتي حصلت على إجماع المراقبين الدوليين بكونها أكثر الانتخابات شفافية بتاريخ البلد.  



إن أخطر ما قد يُواجه الحياة السياسية في مجتمع ما هو تكريس التفرد بالسلطة والاستئثار بها من قبل مُكَوِن سياسي أو إجتماعي واحد. والإستبداد السياسي، الذي يقوم على إقصاء المعارضة السياسية، يُعد أحد أبرز العوائق التي تَمنع عملية التداول السلمي للسلطة. إن وجود المعارضة داخل أي مجتمع هو تعبير طبيعي عن تنوع مكوناته، وإختلاف مصالحه وتطلعاته، وهو شرط ضروري من شروط قيام النظم الديمقراطية، حيث يَرتبط وجود المعارضة السياسية بعلاقة متينة مع قِيَم التعددية الحزبية والسياسية، وتعددية الأفكار والاستراتيجيات والبرامج، فلا يُمكن لمنطق الحياة السياسية السليمة أن يَكتمل دون آلية التداول على السلطة التي لا معنى لها في ظل غياب المعارضة السياسية. 



فالديمقراطية (كنمط حياة وممارسة يومية) ترتكز الى مجموعة من القيم، منها المساواة والعدالة والحرية، إذ إنها قيمة، أي الديمقراطية، تشمل مجموعة من القيم، تربط فيما بينها وتُنظم مساراتها، ومن هنا تغدو الانتخابات وسيلة لتحقيق وترسيخ هذه المجموعة من القيم، وبالتالي فالانتخابات هي وسيلة وليست غاية بحد ذاتها، فالغاية هي الحصول على ديمقراطية تمثيلية، تتأتى من ثلاثة شروط أساسية


أولاً: وجود إجراءات مُنظمة لعملية الانتخابات.


ثانياً: قبول نتائج الانتخابات.  


ثالثاً: التعبير عن رأي الأغلبية.



متى توافرت هذه الشروط، يصُح الحديث عن الانتخابات وعن ديمقراطيتها بوصفها الوسيلة الأمثل للتعبير عن خيارات الناخبين المُترجمة في صناديق الإقتراع، وبالتالي تُسهم في بلورة إمكانيات قيام نظام ديمقراطي فعلي. 

اما في لبنان فان أي من هذه الشروط الثلاث غير متوفر، فاي اجراءات في ظل القانون الراهن لن تفيد، لاسيما في عدم اعتماد الإدارة المستقلة للانتخابات والتدخل المستمر والسافر في القضاء والتفلت الإعلامي والانفاق الانتخابي غير المحدود، ولعل الامر الاكثر تاثيرا هو الممارسات القمعية التي تمنع المرشحين من تنظيم الحملات والوصول الى المقترعين بحرية، وبالتالي عن أي ديمقراطية للانتخابات يمكن الحديث؟.




د. عباس أبو زيد



1  (هانتينغتون، صامويل)، الموجة الثالثة، التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين، ترجمة د.عبد الوهاب علوب، طبعة أولى، دار سعاد الصباح، القاهرة،  1993، مرجع سابق، ص 64.