ديناميات الديون السيادية في المنطقة العربية: وضع الحقوق في صلب نقاشات الديون - حسن شرّي
مقدمة
أحيانًا كثيرة، قد يكون الدين العام، إذا تعاملنا معه بحذر، أداةً مفيدةً لتعزيز الصالح العام وحماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. فالحكومات تقترض الأموال لأسبابٍ مختلفة، بما في ذلك تمويل مشاريع البنية التحتية، وتحفيز النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى مواجهة حالات الطوارئ (UNDP 2020).
يمكن استخدام الدين العام خلال فترات الركود الاقتصادي، كسياسةٍ ماليةٍ معاكسةٍ للدورة الاقتصادية لضخ السيولة في الاقتصاد، وتحفيز الطلب الكلي، ومساعدة الاقتصاد على التخفيف من الآثار السلبية للركود. وقد تجلى ذلك خلال الأزمة المالية 2007-2008، وكذلك خلال جائحة كوفيد-19، حيث زادت كثير من الحكومات من اقتراضها لتمويل حزم التحفيز التي ساعدت اقتصاداتها ومجتمعاتها على مواجهة الأزمات الاقتصادية والصحية (Blanchard et al. 2010; IMF 2021). كما يمكنه لعب دور محوري في تعزيز المساواة بين الأجيال. على سبيل المثال، يمكن أن تُسفر الاستثمارات الممولة بالديون في البنية التحتية والصحة والتعليم، بالإضافة إلى التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، عن آثار خارجية إيجابية كبيرة تعود بالنفع على الأجيال الحالية والمستقبلية على حد سواء (Barro, 1979; Gramlich 1994).
ولكن، ينبغي الحذر من التنامي السريع لمستويات الدين. فقد بلغ الدين العام العالمي، الذي يشمل الدين الحكومي العام المحلي والخارجي، 102 تريليون دولار أمريكي في عام 2024، أي ما يُعادل حوالي 93% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بزيادة قدرها 5 تريليونات دولار أمريكي عن عام 2023 (UNCTAD 2025). ومن المتوقع أن يرتفع إلى 100% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، متجاوزًا ذروة الجائحة ومُزيدًا بشكل كبير من احتياجات التمويل (IMF 2025). ويُمثل الدين العام المتنامي بسرعة عبئًا غير متناسب على العالم النامي.
اليوم، تستمر البلدان منخفضة الدخل وعديد من البلدان متوسطة الدخل بالمعاناة تحت أعباء الديون الثقيلة، مما يقوض قدرتها على تهيئة الظروف اللازمة لإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك الحق في التنمية. ويتفاقم هذا التحدي بسبب الزيادة الحادة في احتياجات التمويل العالمية، سواء للاستجابة لسلسلة من الأزمات المعقدة والمترابطة أو لتعزيز التنمية المستدامة والالتزامات المناخية. ووفقًا لتقرير الاستثمار العالمي لعام 2023 (UNCTAD 2023b)، تواجه البلدان النامية فجوة استثمارية سنوية تبلغ 4 تريليونات دولار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، وهي زيادة كبيرة عن تقديرات ما قبل الوباء البالغة 2.5 تريليون دولار. وفي عام 2023، واجهت البلدان النامية عامًا ثانيًا على التوالي من تدفق الموارد الصافية للخارج، حيث دفعت 25 مليار دولار أكثر في خدمة الديون للدائنين الخارجيين مما تلقته في المدفوعات الجديدة (UNCTAD 2025)، وهو نقل سلبي للموارد الصافية يشكل مخاطر جسيمة على التنمية وينقل العبء في النهاية إلى الناس. تتفاقم هذه الفجوة التمويلية الآخذة في الاتساع بسبب انخفاض تمويل المشاريع الدولية، فضلاً عن التحول العالمي في الإنفاق نحو العسكرة والدفاع، مما يواصل تحويل رأس المال بعيدًا عن أولويات التنمية ويفاقم فجوة التمويل (UNGA 2024).
بشكل عام، تعكس اتجاهات الدين العام في المنطقة العربية الأنماط العالمية. فقد ارتفع الدين العام بشكل حاد على مدار العقد الماضي، ليصل إلى 1.5 تريليون دولار أمريكي في عام 2022، أي حوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي (UNCTAD 2025). وشكلت الدول متوسطة الدخل، مثل الجزائر ومصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس، ما يقرب من نصف هذا الإجمالي، حيث بلغ مجموع ديونها 699 مليار دولار أمريكي في عام 2022. ولا تزال الدول الأقل نموًا، بما في ذلك جزر القمر وجيبوتي وموريتانيا والصومال والسودان واليمن، تواجه مخاطر كبيرة تتعلق بالديون على الرغم من استفادتها من بعض تخفيف أعباء الديون في وقت سابق من هذا العقد (UNCTAD 2023). كما ارتفعت تكاليف خدمة الدين مقارنةً بالصادرات والإيرادات الحكومية. ففي عام 2021، أنفق ما لا يقل عن نصف الدول العربية أكثر من 9.3% من صادراتها و9.4% من إيراداتها الحكومية على خدمة الدين الخارجي (UNCTAD 2023). وتزيد هذه الضغوط من قيود السيولة وتحد من الموارد المتاحة للإنفاق التنموي.
وقد أثار ارتفاع مستويات الدين في المنطقة العربية مخاوف أصحاب المصلحة، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني، بشأن استدامة الأوضاع المالية. وتحد التزامات خدمة الدين المتزايدة من قدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامة الأساسية وأولويات التنمية. وتهدد القيود المالية الناتجة بتعميق التحديات الاجتماعية والاقتصادية، مما يسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى نهج أكثر استدامة وقائم على الحقوق لإدارة الديون، مدعومًا بتعاون دولي أقوى لحماية التنمية والاستقرار الاجتماعي، ودعم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
تبحث هذه الورقة في المشهد المتطور للديون السيادية في المنطقة العربية، مُحللةً الاتجاهات الرئيسية وتحديات الاستدامة مقارنةً بالأنماط العالمية. كما تُحلل مُحددات تراكم الديون في المنطقة، وتُقدم نقدًا قائمًا على الحقوق لأطر تسوية الديون الدولية الحالية، وتستكشف مقاربات بديلة تتجاوز الاشتراطات القائمة على التقشف. كما تُؤكد الورقة على أهمية تعبئة الموارد المحلية في تحقيق نتائج مستدامة للديون، وتُبرز دور المجتمع المدني في إرساء إطار عمل عالمي أكثر إنصافًا وفعالية لحوكمة الديون.
تتكون هذه الورقة البحثية من التالي. يستكشف القسم التالي الاتجاهات الرئيسية للديون السيادية في المنطقة العربية مقارنةً بالأنماط العالمية، مُسلطًا الضوء على التحديات الرئيسية التي تواجه استدامة الديون. ويبحث القسم الثالث آثار تراكم الديون على حقوق الإنسان، ويُقدم نقدًا قائمًا على الحقوق والتنمية لأطر استدامة الديون الحالية. ثم يُحلل القسم الرابع العوامل الرئيسية المُسببة لارتفاع الديون، مُتناولًا عوامل الاقتصاد السياسي المحلي والمُحددات الخارجية، بما في ذلك الهيكل غير المُتكافئ للنظام المالي الدولي. ويختم القسم الأخير باستعراض الآثار الرئيسية على السياسات.